الصفحة 27 من 60

ويذكر هذا المعنى المستشرق الأسبانى جان ليك (1822 - 1897) فى كتابه"العرب"بقوله:"وحياة محمد التاريخية لا يمكن أن توصف بأحسن مما وصفها الله نفسه بألفاظ قليلة، بين فيها سبب بعثة النبى محمد: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} وقد برهن بنفسه على أن لديه أعظم الرحمات لكل ضعيف، ولكل محتاج إلى المساعدة، كان محمد رحمة حقيقية لليتامى والفقراء وابن السبيل والمنكوبين والضعفاء والعمال وأصحاب الكد والعناء، وإنى بلهفة وشوق لأن أصلى عليه وعلى أتباعه" (1)

والى جانب رحمته (- صلى الله عليه وسلم -) وبساطته وزهده وترفعه عن الشهوات كان (- صلى الله عليه وسلم -) رقيق في معاملته مع الآخرين يعامل كل الناس باحترام وتقدير ولين وسهولة جانب، ودمائة خلق دون تصنع ولا تكلف. وهى صفات اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء.

يقول المستشرق البريطانى لين بول (1852 - 1917) فى كتابه"رسالة في تاريخ العرب"متحدثًا عن أخلاق محمد (- صلى الله عليه وسلم -) :"إن محمدًا كان يتصف بكثير من الصفات كاللطف والشجاعة وكرم الأخلاق، حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يتأثر بما تطبعه هذه الصفات في نفسه، ودون أن يكون هذا الحكم صادرًا من غير ميل أو هوى، كيف لا وقد احتمل محمد عداء أهله، وعشيرته سنوات بصبر وجلد عظيمين، ومع ذلك فقد بلغ من نبله أنه لم يكن يسحب يده من يد مصافحه حتى ولو كان يصافح طفلًا، وأنه لم يمر بجماعة يومًا من الأيام - رجالًا كانوا أم أطفالًا - دون أن يسلم عليهم، وعلى شفتيه ابتسامة حلوة، وبنغمة جميلة كانت تكفى وحدها لتسحر سامعيها، وتجذب القلوب إلى صاحبها جذبًا، وقد كان محمد غيورًا ومتحمسًا، وما كانت حماسته إلا لغرض نبيل، ومعنى سام، فهو لم يكن يتحمس إلا عندما كان ذلك واجبًا مفروضًا لا مفر منه، فقد كان رسول من الله، وكان يريد أن يؤدى رسالته على أكمل وجه، كما أنه لم ينس يومًا من الأيام كيانه أو الغرض الذى بعث من أجله، دائمًا كان يعمل له ويتحمل في سبيله جميع أنواع البلايا، حتى انتهى إلى إتمام ما يريد" (2)

وقد وصفه أبا سعيد الخدرى (- رضي الله عنه -) قال:"كان رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أشد حياءً من العذراء في خدرها" (3) وكان لا يستأثر بطعام ولا شراب ولا يملأ بطنه، فقد روت عائشة (رضى الله عنها) أنها قالت:"ما شبع آل محمدًا من خبز الشعير ثلاث ليال متوالية" (4)

وكان يجيب دعوة الداعى فيقول:"لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدى إلى ذرا أو كراع لقبلت" (5) .

وكان إذا جلس بين أصحابه لا يعرفه الغريب. فعن أبى ذر وأبى هريرة - رضى الله عنهما - قالا:"كان رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يجلس بين ظهرى أصحابه يجىء الغريب فلا يدرى أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه. قال: فبنينا له دكانًا - أى دكة - من طين فجلس عليها وكنا نجلس بجانبة" (6)

(1) جان ليك: العرب ص 43.

(2) لين بول: رسالة في تاريخ العرب من كتاب محمد في الدراسات الاستشراقية ص 144.

(3) أخرجه البخارى ح 3562، 6102، ومسلم ح 2320.

(4) أخرجه البخارى ح 5416، ومسلم ح 2970.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت