الصفحة 1 من 6

بحث مقارن في أصول الفقه الإسلامي ونظرية القانون الحقُّ وَمَدى سُلطان الدّولة في تقيّده

فتحي الدريني

مقدمة

شغلت فكرة الحق وطبيعته ومدى تقيده أذهان رجال الفقه الاسلامي والقانوني ورجال الاجتماع والاقتصاد والسياسة المعاصرين على السواء، وذلك بالنظر لتطور الحياة في شتى نواحيها، نتيجة لهذا الانقلاب الهائل في الصناعات ووسائل انتاجها، فكان لذلك صداه في الفكر القانوني بخاصة مما جعله يؤمن بأن العكوف على المعنى الفلسفي للحقوق والحريات الذي كان سائدًا في القرن الثامن عشر غدا لا يتفق ومقتضيات الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الحديثة، إذ قد أثبتت الوقائع في البلاد التي احتضنت المذهب الفردي كأساس لها في التقنين أن النشاط الفردي الحر - في ظل الانتاج الكبير - قد أدى إلى مظالم اجتماعية بما كان يمنح (( الحق الفردي ) )صاحبه من سلطات مطلقة في الاستعمال والاستغلال والتصرف دون أن يحد من مداه إلا بعض القيود التي تتعلق بالنظام العام والآداب، هذا فضلًا عن أن النشاط الخاص لم يعد كفيلًا بذاته بتحقيق ما تقتضيه إقامة المرافق العامة من المشروعات الضخمة وتسييرها على وجه يكفل الصالح العام، مما أوجب التفكير في توسيع نطاق وظيفة الدولة لتلتزم بما فشل هذا النشاط في تحقيقه، أو كان مظنة لسوء الاستغلال والتحكم، ولما كانت مبادئ المذهب الفردي لا تسعف في ايجاد تفسير لسلطان الدولة على الحقوق الفردية فضلًا عن استخلاص قواعد عامة لتحديد مدى تدخلها فيها كفالة للمصلحة العامة، ساد الشعور بوجوب نقص المذهب الفردي من أساسه الفلسفي وهو (( الحق المطلق ) ) [1] فلم تعد المجتمعات تؤمن بأن الحقوق امتيازات طبيعية للفرد وأن ذاته هي محور القانون وغايته، وأنه لا يتصور التعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة المجموع؛ لأن سعادة الفرد هي سعادة المجموع ذلك لأن كل هذه المعتقدات أفسدها ما آل إليه العمل بها من اتخاذ الحقوق معاقل للأنانية الفردية مما أدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت