والحكم على اشراف الدولة بالخير والشر ينطوي على خطأ بيّن للالتباس بين كلمتي (( دولة وحكومة ) )فلا يعني فشل الحكومة في بعض الأعمال الحكم على الدولة بالفشل؛ لأن الحكومة تقوم وتسقط، ولكن الدولة حقيقة ثابتة لا تتغير، وإن كان من المفروض أن تعمل الحكومة على تحقيق أهداف الدولة [9] .
هذا، والأساس الفلسفي الذي بنى عليه هذا المذهب يحمل في طياته بذور فساده، فقد غالى في اطلاق الحقوق والحريات بدعوى أنها حقوق طبيعية للانسان، ولدت معه منذ النشأة الأولى، ولكن هذا تصوير للانسان الفطري المنعزل، وهو لا وجود له في الواقع؛ لأن الانسان لم يوجد إلا في وسط اجتماعي، بل لا قبل له بالعيش إلا في جماعة.
على أنا نتكلم في (( الحقوق ) )وهي لا توجد إلا حيث توجد الروابط الاجتماعية بين الأفراد، وهذا يستلزم بالضرورة أن يكون صاحب هذه الحقوق كائنًا اجتماعيًا، وبذلك انتقض المذهب الفردي من أساسه، وفسد كل ما بنى عليه من نتائج.
على أن المذهب الفردي لا يقيم وزنًا لأي اعتبار أخلاقي إلا فيما يتعلق (( بالذات ) )أو (( الأنا ) ) [10] لأن الذات هي المحور الذي يدور عليه سلوك الفرد.
والخلاصة: أن تدخل الدولة أمر تقتضيه - في نظر خصوم المذهب الفردي طبيعة الظروف المستحدثة - وتعقد الحياة الحاضرة، وغزارة مطالبها المادية والمعنوية، وإنه كما تجب مراعاة الشؤون الفردية تجب مراعاة الشؤون الاجتماعية، وهو ما عجزت النظرية الفردية عن تفسيره وتحديد مداه.
[1] سيأتي شرح هذا المذهب ومبادئه .
[2] من سلسلة القانون والاقتصاد - الحريات العامة ص32 - للدكتور طعيمة الجرف .
[3] أي اعتداء حقيقًا فيه مجاوزة الفرد حقه إلى حق الغير . أما استعمال الحق بقصد الاضرار بالغير، وهو ما يسمى (( بالتعسف ) )فلم يكن معروفًا لدى أنصار هذه النظرية .
[4] المشرع الكبير في عهد الثورة الفرنسية .