الصفحة 4 من 6

على أن الفرديين لا يعدمون سببًا يفسر تدخل الدولة في هذا النطاق الضيق الذي تقتضيه ضرورة الحياة في جماعة، غير أنهم عجزوا عن اشتقاق مبادئ تحدد مدى هذا التدخل. فإذا كانت ضرورة أعمال فكرة القانون اللازمة لكفالة الحريات تقتضي التنازل عن قسط من الحرية، فهذا التقييد الجزئي استثناء من الأصل العام، وهو الإباحة المطلقة حتى يرد قيد صريح، فالقيود إذن استثناء من الأصل، ويجب أن تبقى محكومة بالمبدأ الثابت من أن الاستثناء لا يجوز القياس عليه، ولا التوسع فيه، ويقدر دائمًا بقدره [7] .

والخلاصة: أن المذهب الفردي يقدس الفرد وحقوقه، ويعتبره غاية في ذاته، وإن كلًا من القانون والجماعة والدولة مسخر لخدمة مصالحه، وضمان حريته، وتنشيط مواهبه.

نقد المذهب الفردي

لعل أوضح ما يؤخذ على هذا المذهب أنه لا يرعى الصالح العام، بسبب ما ذهب إليه من افتراض خاطئ مؤداه أن الصالح العام ليس إلا حصيلة المصالح الفردية، أو بعبارة أخرى، إن الصالح العام يتحقق تلقائيًا بمجرد رعاية المصالح الفردية المختلفة [8] والواقع لايؤيد ذلك، فإن كثيرًا من المصالح العامة لا يفكر الأفراد في رعايتها بل يعملون على ما يضر بها بدافع من الأثرة والأنانية، هذا فضلًا عن أن المجهودات الفردية تنوء بعبء المرافق العامة، كمرافق التعليم والصحة والتموين، فلابد إذن من إشراف الدولة عليها، والنهوض بها بدلًا عن الأفراد.

اعتقد أنه لا يثور شك في وجود التعارض بين المصالح الفردية والمصلحة العامة في هذا المضمار، وهو الأمر الذي قد نفاه المذهب الفردي، وبالتالي لم يضع له حلًا. هذا، (( والتدخل ) )إنما يعني قوة إشراف الدولة، ودقة إدارتها، تحقيقًا للعدالة الاجتماعية، ودرءًا لاستغلال القوى الضعيفة في المجتمع، وإبعادًا للنشاط الخاص عن مظان التعسف والتحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت