المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} آل عمران: 10، وقال تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا} النساء:1، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} الأحزاب: 70 - 71 ... أما بعد
من خلال عملي كمدرس للعلوم الشرعية في المعهد العلمي في محافظة القريات لأكثر من عشرين سنة وقبلها أربع سنوات قضيتها في ربوع كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، واختلاطي بالكثير من العلماء والدعاة وطلبة العلم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، ومتابعتي للأكثر منهم من خلال كتبهم ومقالاتهم وأشرطتهم ومواقعهم عبر الشبكة العالمية الإنترنت، وبرامجهم عبر القنوات الفضائية، لاحظت أن بعض هؤلاء وليس كلهم، بل القليل القليل منهم من لا يعير للمسائل الخلافية بالا، بل هداهم الله للحق وإيانا، أنه يلزمون الطرف الآخر برأي واحد لا بديل له عندهم بحجة أن هذا هو الراجح، علما بأن المسألة قد قال فيها كبار العلماء مثل مسألة التصفيق والدف والتصوير وغيرها، فقد عشنا ردحًا من الزمن لا نعرف من حكمها إلا أنها حرام مطلق قولا واحدا، ولكن مع البحث العلمي وظهور بعض المشايخ الجريئين أظهروا وأبرزوا مثل هذه المسائل على أنها خلافية وخلافها معتبر شرعا ولله الحمد، وهذا هو المنهج الحق والسليم بأن يبين للناس الخلاف في المسألة ثم رجح ماراه أنت حقا ولكن لا تلزم الآخرين برأيك مادام أن للخلاف محل، يقول أبو يوسف التواب: ينبغي أن يُعلَم أولًا أن الخلاف سنة كونية، فكما يتباين الناس في ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم وأخلاقهم تباينًا عظيمًا، يتباينون في أفهامهم وعقولهم ومداركهم، والخلاف هنا على نوعين: خلاف سائغ، وخلاف مذموم، فالسائغ هو الخلاف الناجم عن اجتهاد الفقيه بقصد الوصول للحق في المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف، وقد أَذِن الشرع المطهَّر بذلك؛ ففي الصحيحين من حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) ، وما زال العلماء يختلفون في مسائل الفروع الفقهية دون إنكار لأصل الاختلاف http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=34 - _ftn1 ، ويظهر ذلك جليًا حتى في عصر الصحابة الكرام - رضي الله عنهم -، ومن ذلك: اختلافهم في مكان دفن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واختلافهم في الخليفة من بعده، واختلافهم في قتال مانعي الزكاة في خلافة الصِّدِّيق، واختلف عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في مسائل عديدة؛ فكان ابن مسعود يطبِّق