فهرس الكتاب
ويحاول الأب أن يتجنب قدر الإمكان أسلوب الاتهام بمجرد الشك، فلا ينسب إلى الولد عملًا يشك في أنه قد اقترفه، حتى يتيقن بأنه هو الفاعل؛ لأن اتهام الولد مع إمكانية براءته، ولو بنسبة بسيطة يؤدي إلى إحساس الولد بالظلم والجور، وعدم الثقة في والده؛ بل ربما دفعه ذلك إلى الكذب ليتخلص من العقوبة الظالمة. فلو حدث أن عاد الأب إلى البيت فوجد صنبور الماء مفتوحًا، أو علبة دهان الجدار ملقاة، وقد سال منها الدهان في فناء الحديقة، ولم يكن في البيت سوى الولد، فإنه لا ينبغي اتهام الولد باقتراف هذه الأعمال، خاصة إن سئل عنها وأفاد بأنه لم يعملها، فربما أن الخادمة قبل خروجها نسيت إغلاق الصنبور، وربما أن قطة مرت على علبة الدهان فعبثت بها وأسقطتها فسال الدهان، والاحتمالات في هذا كثيرة، والمقصود هو أن لا يتهم الولد بمجرد الشك دون دليل قطعي لا يحتمل التأويل.
وإن صدر عن الولد كذب في مواقف مختلفة، وكاد أن يصبح الكذب له عادة، فإن"علاج هذا المرض أن يعلم عقوبة الله للكاذب، وأن يتيقن أنه مع استدامته الكذب لا بد أن يطلع على حاله … فيربو حياؤه وخجله، واحتقار الناس له، وتكذيبهم إياه في الصدق، وقلة ثقتهم به على ما اكتذبه". فإن علم الولد ذلك وتيقن به خاف من الله وهاب احتقار الناس له، وتكذيبهم له حتى وإن صدق، ويحاول الأب أن يطبق ذلك مع ولده عمليًا، فإن أخبره بشيء لم يصدقه وإن كان صادقًا، بل يخبره أنه تعود منه الكذب، وربما أنه في هذه المرة قد كذب أيضًا. فيحس الولد ويعاني ألم هذا الصد، فيتجنب الكذب، ويجاهد نفسه في ذلك. ويساعده الأب ويشجعه ويكافئه إن نجح والتزم الصدق، ويحذر الوالد كل الحذر من المعاقبة العاجلة بالضرب والتعنيف، فإن هذه الطريقة غير مجدية؛ بل ربما زادت الولد مكرًا وكذبًا؛ فيتعلم النفاق ويتظاهر لوالده بالمظهر الذي يريده الأب، دون أن يكون الولد نفسه مقتنعًا بهذا المظهر.