فهرس الكتاب
ونوع آخر من الكذب يستخدمه الولد ليحمي نفسه من العقاب فإن أخبر والده بالحقيقة ربما عاقبه وعنفه، فإن حدث أن كسر الولد زجاج النافذة حاول أن يخفي آثار فعلته، ويبتعد عن المكان، فإن سئل عن الفاعل نفى التهمة عن نفسه خشية أن يعاقب.
هذا النوع من الكذب والغش لا يفعله الولد إلا إذا علم أن العقاب الذي ينتظره أليم وعنيف، وأنه إذا قال الحقيقة لن ينجو، بل ربما كان الكذب أقرب إلى النجاة، لهذا فإن الولد يكذب، ولو أن الأب الفطن حاول أن يعلم أولاده أن الصدق نجاة لهم من العقاب، فإن الأولاد يسارعون إلى الصدق ويتعودونه إذا أيقنوا أنه سوف ينجيهم من العقاب.
وعلى الأب أن يوطن نفسه على أن يلتزم بما وعد به الأولاد، فلا يعاقبهم إن صدقوا القول واعترفوا بالخطأ - مهما كان الجرم كبيرًا - بل يبين لهم أن ذلك خطأ لا يحبه الله ولا الوالدان، وأنهم بصدقهم قد نجوا من العقاب، ويحذرهم من العودة لمثل هذا الخطأ مرة أخرى.
وإن رأى الأب أنه لا بد من العقاب مراعيًا في ذلك التوسط والحكمة، فإنه يشعر الأولاد بأن العقوبة هي - مثلًا - خصم نصف المصروف اليومي لمدة أسبوع لمن كسر زجاج النافذة، والتعهد بعدم العودة، فإن اعترف أحدهم بذلك طبق العقوبة عليه دون زيادة ولو سامحه لسرعة اعترافه وتأسفه وندمه كان ذلك حسنًا. وبذلك يؤصل الوالد في نفس أولاده حب الصدق، وذم الكذب، وأن الصدق منجاة، وأن الكذب مهلكة ولا فائدة من ورائه.
ولا ينبغي للأب أن يسهل لولده الإفلات بكذبه دون أن يشعر بذلك، ويفهمه أنه قد كذب، وأن والده علم بذلك؛ وهذا لأن نجاة الولد بالكذب يشجعه على المزيد منه، ويحمسه على تعاطيه.