الصفحة 165 من 423

وكما جاء الإسلام بتحريم الغناء الفاحش المشتمل على قبيح القول، وآلات اللهو والمزامير، فقد جاء - في الجانب الآخر - بإباحة الحداء، وهو:"غناء الركبان المسمى بالنصب وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط"، فقد أقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا النوع من التغني؛ لما فيه من النشاط وبعث الهمة، فأقر حداء عامر بن الأكوع - رضي الله عنه - وقد كان شاعرًا وكان له عليه الصلاة والسلام"حاد حسن الصوت".

وقد حث عليه الصلاة والسلام على هذا النوع من اللهو المباح في الأفراح فقال:"فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت"ففي ضرب الدف إعلان بالنكاح، والمقصود بالصوت هو الغناء المباح الذي لا فحش فيه وهو النوع الذي أقره الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث الجاريتين، حيث كانتا تغنيان، وتضربان بالدف عند عائشة -رضي الله عنها- في العيد من أيام منى.

ونقل عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المشهور بشدته وصلابته في الحق إقراره أيام خلافته الترنم والتغني بالشعر في السفر حيث قال:"الغناء من زاد الراكب"وقال عطاء رحمه الله في الغناء بالشعر:"لا أرى به بأسًا ما لم يكن فحشًا"وقال العز بن عبد السلام رحمه الله:"أما استماع الإنشاد المحرك للأحوال السنية وذكر أمور الآخرة فلا بأس به، بل يندب عند الفتور وسآمة القلب".

فالغناء الذي لا يهيج النفوس على الشر، ولا غزل فيه، ولا تحريض على الفواحش والمنكرات، بل فيه إثارة على الشجاعة، والإقدام: فهو مباح لا خلاف فيه، فقد فعله الصحابة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليهم، وهو ما يسمى الحداء.

ورغم الإجماع من الصحابة وغيرهم على إباحة هذا النوع من اللهو البريء، إلا أن بعض العلماء منع منه، فذهب بعضهم إلى تحريمه، وآخرون إلى كراهته، فقد ذكر ابن تيمية رحمه الله خلاف الأئمة في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت