فهرس الكتاب
ولعل ذلك يرجع إلى احتياطهم رحمهم الله في سد الذرائع المفضية إلى المحرمات، وخشية من أن يتخذ أهل الأهواء هذه النصوص ذريعة لتعاطي الغناء الفاحش المشتمل على المعازف والملاهي، أو أن سبب هذا المنع يرجع إلى اعتمادهم على بعض النصوص العامة التي جاءت عن بعض الصحابة وغيرهم في ذم الغناء عمومًا دون ذكرهم تفصيلًا في ذلك.
ولكن عند جمع هذه النصوص، وضم بعضها إلى بعض -كما تقدم- يظهر أن من ذهب إلى تحريمه كابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما في تفسير الآية فإن المقصود هنا هو الغناء المشتمل على الخنا والفحش والمعازف لما فيه من الإضلال عن سبيل الله - عز وجل -، ومن ذهب إلى إباحته كعمر بن الخطاب وعطاء وغيرهما، فإن المقصود هنا هو الغناء المشتمل على المعاني الحسنة، المحرك للخير، المحمس على الفضائل، المذهب للملل والسآمة.
وكما تقدم من أقوال الصحابة وغيرهم فإن كلمة"غناء"يمكن أن تطلق على المحرم منه، والمباح إنما الذي يفرق بينهما هو المضمون، والغناء عند العرب معناه: رفع الصوت وموالاته فلا يقصد به اشتماله على محرم كما أن الحداء الذي أجمع على إباحته يقصد به الغناء للإبل واليوم إذا أطلق الغناء قصد به الفاحش منه والمحرم لغلبة هذا النوع على غيره وتستعمل لفظة"الأناشيد الإسلامية"على ما يقصد به الحداء.
والمقصود هو المضمون والمدلول، وليس مجرد الأسماء، فأي لهو اشتمل على المعازف، أو فاحش القول فهو محرم وإن سُمِّي بأي اسم كالغناء أو الحداء، أو الإنشاد أو الفن أو غير ذلك من المسميات، وكل لهو خلا من المعازف وفاحش القول، وتضمن المعاني الطيبة، المشجعة على الخير والفضائل، فهو مباح وإن تسمى بالغناء، أو الحداء، أو الإنشاد.