فهرس الكتاب
وهذه التوجيهات الخلقية المباركة يجب أن تجد لها متنفسًا اجتماعيًا واقعيًا تمارس فيه، فالأخلاق لا يمكن أن تكون تصورات ذهنية لا واقع لها ولا تطبيق، فإنها بذلك تتفلت وتندثر، ولا يمكن أن تثبت إلا بالممارسة والمدوامة عليها.
لهذا كان لزامًا على الأب أن يوجه ولده إلى هذه الآداب، والكليات الخلقية، ويهيء له فرصة عملية للممارسة والتطبيق، لترسيخ المفاهيم، ولتصبح خلقًا في النفس لا تنفك عنه ولا تنفصل، فالطريق، وأماكن تجمعات الناس يمكن أن تمارس فيها كثير من هذه الأخلاق والآداب. فإذا كان الأب مع الولد في الطريق وشاهد فقيرًا رث الثياب، حافي القدمين، تظهر عليه علامات المسكنة والضعف، هنا يسأل الأب ولده - بعد أن يلفت نظره إلى هذا المسكين- ويقول له:"ما رأيك يا ولدي في هذا الرجل؟"فيجيبه الولد:"هذا رجل فقير وسخ الثياب، فيقول له الأب:"أما تعلم يا ولدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ) )!! يا بني ما يدريك أن هذا الفقير له عند الله منزلة عظيمة، وما يدريك أنه لو سأل الله شيئًا لاستجاب له"!!."
هذا الأسلوب التوجيهي للولد يعلمه عدم احتقار غيره، حتى وإن كان من الخاملين الضعفاء، ويعلمه أيضًا أن الميزان عند الله التقوى والإخلاص، لا المظهر وحسن الثياب، كما أن تفضيل الناس بعضهم على بعض غيب لا يعلمه إلا الله.
ويعلم الوالد ابنه الدعاء المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند رؤية المصابين بالعاهات، مثل: الأعمى، والأعرج، والمريض، وغيرهم، فإن شاهدا مصابًا أو مبتلى ذكّر ولده بالدعاء الذي يقول فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا ) )ويطلب منه ترديده ليحس الولد بنعمة الله عليه وفضله، بأن جعله سويًا في خلقته، معافى في بدنه وصحته.