الصفحة 196 من 423

ولا يخفي على المسلم ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن العيش مع الكفار ومخالطتهم، ومن ذلك قوله: (( أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) )، وفي رواية قال: (( لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم ) )، وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: (( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ) )، فهذه النصوص الزاجرة كفيلة بزجر الأب عن التفكير أصلًا في السفر إلى بلاد الكفار للنزهة وللفرجة، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية في زمنه في القرن الثامن الهجري عن سفر الرجل بأهله للنزهة، وللفرجة في مكان يشاهد فيه المنكر ولا يستطيع إزالته؟ فأجاب رحمه الله بقوله:"ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار؛ إلا لموجب شرعي مثل: أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرهًا، فأما حضوره لمجرد الفرجة، وإحضار امرأته تشاهد ذلك فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه"، فلا يجوز -بناء على ما تقدم- أن يسافر الأب والأولاد والأهل إلى هذه البلاد الكافرة التي يشاع فيها المنكر ولا يستطيع المسلم إزالته أو إنكاره، أما المضطر فإنه يجوز له بقدر الحاجة دون إفراط، ولا ينبغي له أخذ الأولاد إلا إذا لم يجد له بدًا من ذلك. وعليه قبل أن يقرر سفره المضطر إليه أن يسأل الثقات من علماء بلده عن جواز سفره هذا، وهل له أن يأخذ الأولاد أم لا ؟ فإن حدود الاضطرار والضرورة لا يحددها الرجل لنفسه، بل يحددها الشرع من خلال اجتهاد العلماء الموثوق بدينهم وسيرتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت