فهرس الكتاب
فمن هذا المنطلق كانت تربية الأولاد وتوجيههم بمنهج التوسط والمقاربة والسداد، أولى وأحرى وأكثر جدوى من التشدد والتعسير، فإن الله يحب الرفق ويجزي عليه جزاء كثيرًا، ويبغض العنف ويكرهه، يقول عليه الصلاة والسلام:"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"فإن رأى الوالد الوقت المناسب للوعظ، اشتغل به دون إفراط أو إكثار منه، فإن كثرة المواعظ مملة، وربما ضعف تأثيرها، وسببت رد فعل عند الأولاد كما أن كثرتها تخالف السنة والمنهج النبوي في الوعظ إذ كان عليه الصلاة والسلام يتخول أصحابه بالموعظة، ولا يكثر عليهم، رغم رغبتهم وحبهم لسماع مواعظه وإرشاداته كما أن العقاب الكثير ضار بالولد، فلا بأس بعض الأحيان من التغافل عن بعض أخطاء الطفل -خاصة العفوية منها- فتمر دون تعليق، أو توجيه، أو عقاب، فقد نصح الإمام الغزالي رحمه الله بذلك فقال:"ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة، وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام من قلبه، وليكن الأب حافظًا هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانًا"فإن احتاج الأب إلى التأديب والتوبيخ تجنب الاستبداد في ذلك وتوسط.
وعلى الأب المسلم أن ينهج مع ولده منهجًا قاصدًا متوسطًا يحفظ فيه كرامته فلا يخدشها، ولا يكثر من التعنيف الذي يؤدي بالولد إلى عدم احترامه والجرأة عليه، وأن يمنحه شيئًا من الحرية دون إفراط أو تفريط، وعدم التشدد والصرامة في تطبيق النظام والقواعد في البيت، بل يمزج ذلك بشيء من المرح والمداعبة والحب، ولا بأس في إفهامه سبب الأمر الذي أمره به والحكمة منه؛ ليكون حافزًا على فعله وتنفيذه، مع مراعاة عدم تعليق تنفيذ الأمر باقتناع الولد به، فهذا يفسده، ويجب على الأب أن يراعي فهم ولده وقدراته فلا يطالبه بمعايير الكبار، ولا يأمره بما هو خارج نطاق قدرته فهو لا يزال طفلًا صغيرًا.