فهرس الكتاب
لتطمئن نفوسنا وترضى بهذه الأحكام، منا منه وكرما، وليكون ذلك أسهل على النفس في الانقياد إلى بارئها.
ننتهي من ذلك إلى أن أحكام الله تعالى كلها معللة بمصالح العباد، وأينما وجد الأمر فهو مقرون بمصلحة، وأينما وجد النهي فالفعل مقرون بالمفسدة، لا مراء في ذلك.
وأحيانا نلحظ أن الله سبحانه وتعالى في بعض الأحكام يأمرنا بما يخالف المصلحة في زعمنا، فينهانا عما يسرنا، ويأمرنا بما لا يسرنا، من ذلك مثلا الخمرة، فإن فيها مصالح كثيرة. وفوائد عميمة، مع أن الله تعالى نهانا عنها نهيا باتا.
لكن تفحص الأمر كفيل بإزاحة ستار الأشكال، ذلك أن المصالح والمفاسد في الدنيا أكثرها نسبي لا قطعي، ففي كل مصلحة مفسدة، وفي كل مفسدة مصلحة، والحكم يدار دائما على ما هو الغالب، فالصلاة نفسها مصلحة من حيث أنها تصل العبد بربه، وتدر عليه الأجر والثواب، وهي مفسدة من حيث أنها تحتاج إلى وقت وجهد، ولكن لما كانت المصلحة فيها غالبة اعتبرت مصلحة، وكانت المفسدة فيها ملغاة شرعا، وكذلك الخمرة، فإن فيها مصلحة، وهي ما فيها من مواد غذائية وحرارية كثيرة، إلا أن فيها مفسدة أيضا، وهي ما تسببه من زوال للعقل ونشر للأمراض وغير ذلك، فكانت المفسدة فيها غالبة، فاعتبرت مفسدة لذلك، وألغى ما فيها من مصلحة شرعا،