فهرس الكتاب
ترجيح رأي الجمهور على رأي مذهبه، نزولا عند الدليل، فقال: (الحق معهم - أي مع الجمهور - لأن التعيين شرعا لفرض الصوم يقتضي عدم صحة ما نوى، لا صحة ما لم ينو، كيف وهو ينادي أنا لم أرد صوم الفرض، والأعمال بالنيات) [1] ، وهذا وأمثاله يدل دلالة قاطعة على ما كان يتمتع به سلفنا الصالح من صدق وإخلاص للعلم، وبعد عن التعصب المقيت، فكانوا يسيرون من الدليل حيثما سار واتجه.
هذا ولا بد من الإشارة إلى أن مؤدى دليل الجمهور ينتهي إلى تصحيح فرض الوقت المضيق بمطلق النية، فلو نوى في رمضان مطلق الصوم جاز صرفه إلى فرض الوقت، لأنه لم يظهر من المكلف قصد يخالف قصد الشارع حتى يحكم عليه بالإلغاء، ولما كان الوقت محددا لفرض معين من قبل الشارع، جاز صرف قصد المكلف إلى الواجب الذي حدده الشارع، لاحتماله إياه وعدم وضوح ما يخالفه، وذلك بخلاف الواجب الموسع، فإنه لا يمكن تصحيحه بمطلق النية، لأن الوقت لم يتمحض له من قبل الشارع.
وأما الواجب ذو الشبهين، فقد كاد الفقهاء يتفقون على أن الحج عن النفس يتأدى بمطلق النية، إلحاقا له بالواجب المضيق، لشبهه به، وأنه لا
(1) انظر فواتح الرحموت 1/ 69، فإنه أشار لترجيح الكمال لمذهب الجمهور وذهب إلى مخالفته وترجيح مذهب الحنفية وتوجيهه.