الصفحة 4 من 7

سبب التطرق إلى البدائل:

يفهم من لفظ: (البديل) لغة وعرفًا أنه عوض عن مبدل عنه، فالمبدل عنه أصل مستقر يأتي البديل خلفًا ونائبًا له، ولم يتطرق متقدمو الفقهاء - حسب إطلاعي - للبحث عن قضية بدائل السجن؛ لأن السجن كان ينظر إليه على أنه أحد أفراد العقوبات التعزيرية، ولم يتقرر كونه أصلًا في العقوبات، ولم ينحصر التعزير فيه حتى يبحث له عن بديل، بل إنه بصفته فردًا من أفراد التعزير يصح أن يوصف بأنه بديل عن غيره أحيانًا.

فالبحث عن بدائل السجن دليل على سبقه في باب العقوبات، وطغيان استعماله سواء كان استعمالًا مشروعًا أو غير مشروع.

ويبدو لي أن السبب في إثارة البحث عن بدائل للسجن في العصور المتأخرة، أمور منها ما يلي:

1 -طغيان استعمال السجن على جل الجرائم؛ حتى أصبح التعزير منحصرًا فيه غالبًا.

2 -التنبه إلى بعض العيوب الجسيمة للسجن وعدم تحقيقه للمصلحة المقصودة من تشريع العقوبات التعزيرية؛ ولذا عقدت مؤتمرات دولية ومحلية لدراسة أوضاع السجون وإصلاحها.

ومن العيوب التي ذكرت للسجن (25) : ما يحصل للمسجون من نتائج اختلاطه بالمسجونين الذين يغلب على بعضهم الفساد والإفساد، فهو إن كان صالحًا قد يفسد، وإن غير ذلك قد يفسد غيره؛ لما علم من قوة تأثير الخلطة في الأخلاق سلبًا وإيجابًا.

3 -توافر بدائل للسجن، تقوم مقامه - أحيانًا - مع تجنب عيوبه.

4 -عدم تحقيقه - إما مطلقًا أو غالبًا - للغاية التي من أجلها شرع السجن وفتحت السجون، وهي إصلاح الجاني وحماية المجتمع.

نماذج من بدائل السجن:

عنونت هذه المسألة بنماذج؛ لأن بدائل السجن نوع من أنواع العقوبات التعزيرية، ومن طبيعة التعزير أن تحديده وتقديره وتعيينه مفوض إلى اجتهاد الحاكم المتأهل لذلك.

ويترتب على ذلك أمور، منها:

1 -أن السجن ليس ضربة لازب يتحتم الحكم به في كل قضية لا حد فيها ولا كفارة، بل هو فرد من أفراد التعزير، قد يختاره الحاكم وقد يختار غيره.

2 -أنه من الطبيعي أن يكون للسجن بديل يقوم مقامه ويحقق غايته.

3 -أن الأصل في بدائل السجن عدم حصرها؛ نظرًا لتبعيتها لاجتهاد من هو أهل للاجتهاد من القضاة من ناحية، وارتباطها بتحقيق المصلحة الشرعية المقصودة من تشريع العقوبات من ناحية أخرى.

4 -أن كل فرد من أفراد التعزير يصلح أن يكون بديلًا عن السجن، إذا توافرت فيه شروط البدلية، وانتفت عنه الموانع الشرعية.

وبناء على ما سبق فليس أمام الباحث إلا أن يذكر نماذج، ومن حاول حصرها فقد جاوز الصواب.

ومن النماذج التي يمكن أن تذكر: الجلد، والحرمان من ممارسة بعض التصرفات، والعزل عن العمل، والإقامة الجبرية في المنزل، وتكليف الجاني بعمل يراه القاضي، وسحب الأوراق الرسمية (جواز السفر) ، إلى غير ذلك.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - جملة من البدائل بقوله:"قد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه، والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب .... وقد يعزر بعزله عن ولايته ... وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين ... وقد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبًا" (26) .

شروط إقامة البدائل:

ملاحظة تحقق الشروط لترتب آثار تصرفات المكلفين، من القضايا العلمية التي ينبغي التنبه إليها؛ إذ هي سارية في كثير من المجالات العلمية والعملية، ومع ذلك يغفل عنها كثيرًا، ويترتب على هذه الغفلة خلل يجل ويصغر بحسب الحال. يقول العز بن عبد السلام:"كل تصرف جالب لمصلحة أو دارئ لمفسدة، فقد شرع الله فيه من الأركان والشرائط ما يحصل تلك المصالح المقصودة الجلب بشرعه، أو يدرأ المفاسد المقصودة الدرء بوضعه" (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت