ومن الشروط التي يجب توافرها لمشروعية الأخذ ببدائل السجن ما يلي:
1 -أن يكون البديل محققًا للمصلحة المقصودة من شرع التعزير:
وبيان ذلك أن البديل قد تتجاذبه المصالح البشرية الشخصية، إلا أنه لا يكون بديلًا شرعيًا إلا إذا كان محققًا للمصلحة الشرعية، يقول القرافي:"متى قلنا الإمام مخير في التعزير فمعناه أن ما تعين سببه ومصلحته وجب عليه فعله ويأثم بتركه، فهو أبدًا ينتقل من واجب إلى واجب كما ينتقل المكفر في كفارة الحنث من واجب إلى واجب ... ، والإمام يتحتم في حقه ما أدت المصلحة إليه، لا أن هاهنا إباحة ألبتة، ولا أنه يحكم في التعازير بهواه وإرادته كيف خطر له، وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء، هذا فسوق وخلاف الإجماع" (28) .
2 -أن يكون المحل قابلًا لإقامة البديل في حقه:
الجناة ليسوا في درجة واحدة ولا على وصف واحد، فبعضهم يكون فيه وصف يوجب تخفيف العقوبة كالمرض والصغر والكبر، وعدم قصد الجناية، وكونه امرأة، كما يتصف بعضهم بوصف موجب للتشديد كتكرر الجريمة منه، أو كونه قاصدًا للجريمة، أو مماطلًا للحق مع قدرته على السداد. الخ.
3 -أن لا يكون في البديل ضرر أكبر من ضرر السجن.
مع ما في السجن من مصالح متعددة؛ فإنه قد تنتج عنه أضرار، وقد يغلب ضرر السجن أحيانًا على مصلحته، كما أن البديل أيضًا قد يكون فيه ضرر أشد من ضرر السجن، وإذا لم يكن بد من ارتكاب الضرر فالقاعدة الفقهية تقضي بارتكاب أخف الضررين، وإلغاء ما فيه ضرر أشد.
4 -أن لا يوجد مانع من تطبيق البديل على المحكوم عليه.
القواعد والضوابط الفقهية التي تتخرج عليها بدائل السجن:
هناك عدد من القواعد الفقهية التي يمكن أن تسند إليها بدائل السجن نظرًا وتطبيقًا، ومن هذه القواعد ما يلي:
القاعدة الأولى: كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع ويبطل إن وقع" (29) :"
التصرف المحكوم عليه في هذه القاعدة يدخل تحته كل تصرف سواء كان تصرفًا ماليًا أم تصرفًا غير مالي كالحد والتعزير، وغيرهما، والسجن تصرف من تصرفات الولاة، وإذا لم يحقق المقصود منه فإنه لا يجوز الأخذ به بل يعد الأخذ به حينئذ محرمًا شرعًا، ويترتب على ذلك أن يؤخذ ببدائله.
وقد علم أيضًا أن السجن جنس واحد، وأن الجنايات متفاوتة من حيث الجسامة، ومن حيث قصد الجاني وعدم قصده، وتكرار الجناية من عدمها، ومن حيث خطر الجاني، والسجن وحده قد لا يكون محققًا المصلحة المقصودة، ويلزم من هذا إيجاد بدائل للسجن تحقق المصلحة الشرعية المقصودة من تشريع التعزير.
القاعدة الثانية:"الأصل ملاءمة العقوبات التعزيرية للجنايات" (30) .
بناء على هذا الأصل مع ما عرف من أن السجن لا يلائم كل الجنايات، فإن إقامة بدائل للسجن أمر لا بد منه.
القاعدة الثالثة: مهما حصل التأديب بالأخف من الأفعال والأقوال والحبس والاعتقال لم يعدل إلى الأغلظ؛ إذ هو مفسدة لا فائدة فيه لحصول الغرض بما دونه" (31) ."
هذا الضابط الذي نص عليه العز ابن عبد السلام، واضح الدلالة على المراد؛ إذ كل فرد من أفراد التعزير ومنها السجن إذا كان غيره أقوم بالمصلحة منه فإنه لا يعدل إلى الأشد الأغلظ.
أنواع بدائل السجن:
تقسم بدائل السجن أقسامًا، فمن ذلك: