وعلى الرغم من التطمينات الكثيرة التي ساقتها، كتابةً ومشافهةً، لشريف مكّة وابنه الأمير فيصل، لتسويغ توقيع الاتفاقية المذكورة وإصدار الوعد المشؤوم، إلا أنها من الناحية العملية التطبيقية كانت تيسير في وضع هذه الأمور موضع التطبيق الفعلي، وقد تجلّى ذلك واضحًا في جميع مواقفها في مؤتمر فرساي (الصلح) وفي جميع اتفاقياتها مع فرنسا، وفي المقررات التي انتهى إليها مجلس الحلفاء الأعلى في مدينة سان ريمو الإيطالية. وتم توزيع الانتدابات بينها وبين فرنسا على بلدان الوطن العربي، وكانت الفرقة والتجزئة والخضوع للاستعمار الجديد، مع تعهّد بريطانيا بالعمل الدائب لتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود. وفصلت فلسطين عن بقية سوريا التي احتلتها فرنسا، وتركزت برامج الإنجليز في تمكين يهود من هذا الجزء العربي من سوريا الجنوبية، ووقف اللورد كيرزون يقدم تفسيرًا واضحًا ومحددًا لوعد بلفور فقال:» إن الوطن القومي مفاده كيان سياسي يؤلفه يهود ويدبّر شؤونه يهود، ويحكم وفقًا لمصالح يهود «. وبما أن يهود فلسطين يومها لم يكن يصل عددهم إلى خمسين ألفًا، وكان العرب يقارب عددهم اثني عشر ضعفًا لعدد يهود، لذلك كان لا بد من فتح باب الهجرة اليهودية إليها من جميع أنحاء العالم حتى يتكاثروا ويكونوا أغلبية أو شبه أغلبية (هنا لا بد من ذكر الفضل لأصحابه، فقد قام السفير الأمريكي في الآستانة عاصمة الدولة العثمانية، عام 1882م، بمراجعة الخارجية العثمانية زمن السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، وبذل الجهود لدى الوزير بشأن إسكان يهود في فلسطين وسوريا، ولكن الباب العالي رفض السماح لهم بسكنى فلسطين، وتدخلت بريطانيا عام 1887م ولم يسفر هذا التدخل عن نتيجة إيجابية .. انظر محاضرات في قضية فلسطين للشقيري رحمه الله) .