(( ومن الليالي الغر التي لا أنساها ما حييت، ليلة الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1364هـ الموافق 24فبراير سنة 1945م [1] والتي تُعدُّ بحق مثالًا لما يجب أن يكون عليه الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في كل عام: فقد شهدت في ساحة المولد [2] معالم الزينة التي تأخذ بالألباب، ومظاهر الاحتفال التي بدت في شكل فخم، ونظام جليل هناك، وفي هذا الميدان المترامي الأطراف، أُقيم السرادق [3] الملكي البديع، وقد تجلَّى في زخارفه وماس [4] في أستاره ومطارفه [5] ، وفرش بالطنافس [6] الثمينة، وصفت في رحابه الأرائك [7] المحلاة بالذهب، وانتثرت في جنباته النمارق [8] الموصوفة، واسترسلت في ساحته الكلل [9] الحريرية، ورفعت على سواريه الأعلام الملكية، وعلقت في مداخله المصابيح الباهرة الأنوار، وفي سماواته الثريات الآخذة بالأبصار .... ، كما فُرشت أرض الميدان بالرمل الأصفر والأحمر، ووقف على أبوابه رجال الحرس الملكي في ملابسهم المزركشة ... ووفد على هذه السرادق وزراء الدولة، وشيخ الأزهر، وطوائف العلماء!!، ووكلاء الوزارات، وكبار الموظفين، وكبراء الأمة، وأعيان الناس، من ذوي المراتب والألقاب، ... وجميع هؤلاء قد وقف في جلال ووقار، انتظارًا لتشريف حضرة الملك المعظم، أو من ينتدب للإنابة عنه في حضور الاحتفال.
وقبيل الظهر بساعة بينما هذا الجمع الحاشد في الانتظار .... وصل الركب الملكي الفخم، وقد أقبل جلالته بوجهه المشرق على هذه الجموع، مشيرًا بيده الكريمة إشارة التحية والسلام، واستقبله بعد ذلك كبار الشخصيات الموجودة في السرادق ، وعندما وصلت المركبة الملكية قبالة السرادق الملكي العظيم، سمعت طلقات المدافع تدوي تحية الملك، وتعالت أصوات قوات الجيش هاتفة بحياته، ثم أخذت الموسيقى تصدح بأنغامها الشجية بالسلام الملكي ، وبعد الانتهاء من عرض الجيش تقدمت بين يدي الملك مشايخ الطرق الصوفية برجالها ومريديها، حاملين لأعلامهم وشاراتهم، وكل
(1) -أي: في عهد الملك فاروق الأول - آخر ملوك مصر -.
(2) - ذكر السندوبي أنها تقع بصحراء قايتباي - المعروف عند العامة بصحراء الخفير -.
(3) - السرادق: ما أحاط بالبناء، وقيل: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب، أو الحائط المشتمل على الشيء، وهو كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء.
يراجع: لسان العرب (10/ 157) مادة (سردق) . والمراد به هنا - والله أعلم: المخيم الكبير.
(4) - ماس: الميس التبختر، وماس يميس ميسانًا: يراجع واختال.
يراجع: لسان العرب (6/ 244) مادة (ميس) .
(5) - المطارف: جمع مطرف، وهي أردية من خز مربعة لها أعلام، وقيل: المطرف من الثياب: ما جعل في طرفيه أعلام. يراجع: لسان العرب (9/ 220) مادة (طرف) .
(6) - الطنافس: جمع طنفسة: وهي البساط الذي له خَمْلٌ رقيق. يراجع: لسان العرب (6/ 127) مادة (طنفس) .
(7) - الأرائك: جمع أريكة: وهي سرير منجد في قبة أو بيت. وقيل: كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة.
يراجع: لسان العرب (10/ 389، 390) مادة (أرك) .
(8) - النمارق: هي الوسائد، ومنها ما يفرش تحت الراكب على الراحلة. يراجع: لسان العرب (10/ 361) مادة (نمرق) .
(9) - الكلل: جمع كلة، وهي الستر الرقيق يضرب على القبور، وقيل: هي ما خيط من الستور فصار كالبيت، وقيل: هي ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البعوض. يراجع: لسان العرب (11/ 595) مادة (كلل) .