يجهروا بذلك ويظهروه. ودليل أيضًا على أن إحياءهم للموالد الستة المذكورة-ومنها المولد النبوي-، ليس محبة له صلى الله عليه وسلم وآله كما يزعمون، وكما يظهرون للعامة والسذَّج من الناس، وإنما قصدهم بذلك نشر خصائص مذهبهم الإسماعيلي الباطني، وعقائدهم الفاسدة بين الناس، وإبعادهم عن الدين الصحيح، والعقيدة السليمة بابتداعهم هذه الاحتفالات، وأمر الناس بإحيائها، وتشجيعهم على ذلك، وبذل الأموال الطائلة في سبيل ذلك.
فخلاصة ما سبق أن أول من احتفل بالمولد النبوي هم بنو عبيد القداح (الفاطميون) ، ويدلُّ على ذلك: ما ذكره المقريزي في خططه - وسبق وذكرته - وما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى [1] .
وقد رجع هذا وأخذ به جماعة من العلماء المتأخرين [2] وصرَّحُوا به.
وأمَّا ما ذكره أبو شامة في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) : من ثنائه على الاحتفال بالمولد النبوي، وأنه من أحسن ما ابتدع في زمانه [3] ، وأن أول من احتفل بذلك بالموصل [4] ، والشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل [5] : فلا يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي، هو صاحب إربل؛ لأمرين:
أحدهما: أن أبا شامة - رحمه الله - قيَّد هذه الأولوية بقوله: (أول من فعل ذلك بالموصل) [6] . فكلامه يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل هو صاحب إربل اقتداءً بالشيخ عمر بن محمد الملا، وليس فيه دلالة على أن أول من احتفل بالمولد النبوي على الإطلاق هو صاحب إربل.
ولكن السيوطي-رحمه الله- أطلق ذلك في كتابه (حُسن المقصد في عمل المولد) - الذي ضمنه كتابه الحاوي- فقال: (وأوَّلُ من أحدث فعل ذلك- الاحتفال بالمولد النبوي- صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن بكتكين، أحد الملوك الأمجاد) .ا. هـ [7] .
(1) - يراجع: صبح الأعشى (3/ 498، 499) .
(2) - منهم: محمد بخيت المطيعي في كتابه أحسن الكلام ص (44) ، وعلي محفوظ في كتابه الإبداع ص (251) ، وحسن السندوبي في كتابه تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (62) ، وعلي الجندي في كتابه نفح الأزهار ص (185، 186) ، وإسماعيل الأنصاري في كتابه القول الفصل ص (64) ، وغيرهم من المؤلفين في هذا المجال.
(3) - ما ذكره أبو شامة هو وغيره من الاستحسان للاحتفال بالمولد النبوي خطأ واضح، مخالف لما عليه المحققون من علماء هذه الأمة، ويعتبر من زلات العلماء وأخطائهم، عفا الله عنا وعنه.
(4) - هي المدينة المشهورة، ومحط الركبان، وهي باب العراق، ومفتاح خرسان وسميت بالوصل؛ لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، أو بين دجلة والفرات، وتقع على نهر دجلة، وأول من عظمها من الخلفاء: مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية، وصفها العلماء بصحة الهواء، وعذوبة. يراجع: معجم البلدان (5/ 223 - 225) .
(5) - إربل: - بالكسر ثم السكون ثم ياء مكسورة: من الربل أو الريبال، وهو نوع من أنواع النبات، وهي قلعة حصينة، ومدينة كبيرة، على تل عال من التراب وهي من أعمال الموصل، وبينهما مسيرة يومين، وقد قام بعمارتها الأمير كوكبوري، فأقام بها وقامت بمقامه بها - وهو المراد بقول أبي شامة: صاحب إربل - وأكثر أهلها من الأكراد. وتقع في شمال العراق شرقي مدينة الموصل. يراجع: معجم البلدان (5/ 127 - 139) .
(6) - يراجع: الباعث الحثيث ص (21) .
(7) - يراجع: الحاوي (1/ 189) الكتاب رقم (24) .