ـ أشرك المعازف مع الخمر والزنا والحرير في الحكم وهي من الأشياء المقطوع بحرمتها، فهذا يقتضي حرمة المعازف ( [8] ) .
ثم إن تحريم المعازف ورد في أكثر من حديث، بل صنف بعض الأئمة مؤلفات خاصة بالموضوع كذم الملاهي لابن أبي الدنيا وغيره.
إذا علم هذا فهل الدف من المعازف؟
قال الحافظ في الفتح [10/ 46] : (وفي حواشي الدمياطي، المعازف: الدفوف وغيرها مما يضرب به) .
وقال ابن الأثير في النهاية: (العزف: اللعب بالمعازف وهي الدفوف وغيرها مما يضرب به وقيل إن كل لعب عزف) .
وقال ابن القيم في مدارج السالكين [1/ 484] : (وآلات المعازف: من اليراع والدف والأوتار والعيدان) .
فالدف من المعازف قطعًا لغة وشرعًا، فهو فرد من أفراد العموم - المعازف - التي ورد النص الشرعي بتحريمها.
فتحريم المعازف حكم كلي ثابت بالدليل العام ووردت نصوص تستثني الدف من قاعدة التحريم العامة.
وهذا الإستثناء يسميه بعض الأصوليين استحسان بالنص ( [9] ) .
إذًا فالدف أبيح استثناءً من الأصل، وليس باق على أصل الإباحة ومما يدل أيضًا على هذا الكلام دلالة واضحة لا ريب فيها:
إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه في نعته للدف بمزمور الشيطان، وهذا النعت لم يأت إلا نتيجة لما استقر في ذهن أبي بكر رضي الله عنه من التحريم العام للمعازف، ومنها الدف، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين له أن الدف أبيح استثناءً كونه يوم عيد.
وقد يتفرع في الذهن قول قائل: إذا كانت النتيجة واحدة، وهي إباحة الدف فما الفائدة من هذا التأصيل؟!
فالجواب وبالله التوفيق: أن هناك فرق بين ما هو باق على أصل الإباحة، وبين ما أبيح بالنص استثناءً.
فالباقي على أصل الإباحة: محل بحثه نظرية الاستصحاب، وعليه فالدف يباح مطلقًا- بتوسع - ما لم يفض لمفسدة.
أما ما أبيح بالنص استثناءً: فمحل بحثه نظرية الاستحسان، وعليه فالدف يباح بشروط جاء النص بتحديدها، إذ أن الإستثناء لا توسع فيه، وبعبارة من يقول بالاستحسان: ما ورد على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس.