أما بعد: لقد اطلعتُ على تفسير الآية السابعة من سورة الفاتحة {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } في ترجمة القرآن الكريم باللغة الإنكليزية , من إصدار ( .. ) طبعة عام 1424هـ , فوجدتُ أنه قد حُذف اسم اليهود والنصارى من تفسير الآية المذكورة , بينما كان موجودًا في الطبعات السابعة كطبعة عام 1419هـ , وعام 1420هـ.
وتفسيرُها بغير اليهود والنصارى ومَنْ شابَههم , مُخالِفٌ لِمَا فسَّره به القرآن , ولِمَا فسَّره به النبيُّ صلى الله عليه وسلم , ولِمَا أجمعَ عليه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وأئمة التفسير رحمهم الله تعالى.
وطريقة السلف الصالح في تفسير كتاب الله تعالى كما لا يَخفى , أنهم يرون بأنَّ أصحَّ طُرُق التفسير:
أنْ يُفَسَّرَ القرآنُ بالقرآن , فَمَا أُجملَ في مكانٍ , فإنه قد فُسِّرَ في موضعٍ آخر , وما اختُصِرَ في مكان , فقد بُسِطَ في موضعٍ آخرَ.
فإنْ لَمْ نَجِد فالبسُّنة: فإنها شارحةٌ للقرآن , ومُوَضِّحَةٌ له , قال الله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( إِلَيْكَ (( (( (( (( (( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا (( (( (( (( (( (( (( (( (وَلَعَلَّهُمْ (( (( (( (( (( (( (( 44) } [1] , وقال تعالى: {إِنَّا (( (( (( (( (( (إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ (( (( (( (( (( (( (( (( خَصِيمًا(105) } [2] , وقال تعالى: {وَمَا (( (( (( (( (( عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(64) } [3] .
فإنْ لَمْ نَجِد: فنرجعُ إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم , فإنهم أدرَى بذلك لِمَا شاهدوه , ولِمَا لَهُم من الفهم التامِّ , والعلم الصحيح , لا سِيَّمَا كبراؤُهم , كالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم , والأئمة المهديِّين كابن مسعودٍ وابن عباس رضي الله عنهم.
وإذا لِمْ نجد: فقد رَجَعَ كثيرٌ من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعينَ كمجاهدٍ وسعيدِ بن جبير , وعكرمةَ , وعطاءٍ , والحَسَنِ , ومسروقٍ , وسعيد بن المسيَّب , وغيرهم من التابعين وأتباعهم وتابعيهم رحمهم الله تعالى [4] .
وإليك يا طالبَ الحقِّ تفصيل ذلك بإيجاز:
أولًا: تفسير القرآن بالقرآن:
لقد ذُكرَ في القرآن الكريم أنَّ أخصَّ أوصافِ اليهود: أنهم مغضوبٌ عليهم , كما في قول الله تعالى: {بِئْسَمَا (( (( (( (( (( (( بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا (( (( (( (اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ (( (( (( (( (عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ (( (( (( (( (( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( • (( (( (((90) } [5] , وقول الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ (( (( (( (مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(60) } [6] .
وقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ (( (( (( (( فِي (( (( (( (( (( (( الدُّنْيَا (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( 152) } [7] .
وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ (( (( (( (( (( كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ (( (( (( (( الْقُبُورِ(13) } [8] .
وقول الله تعالى: {ضُرِبَتْ (( (( (( (( (( الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا (( (( (( (( (إِلَّا (( (( (( (( مِنَ اللَّهِ (( (( (( (( مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ (( (( (( (( (( الْمَسْكَنَةُ (( (( (( (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ (( (( (( (( (( (( بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(112) } [9] .
وأنَّ أخصَ أوصاف النصارى الضلال , كما في قول الله تبارك وتعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا (( (( (( (( (( (( أَهْوَاءَ (( (( (( قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا (( (( (( (( وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ (( (( (( (( (( (( (( (( (عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (( (( (( (بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ (( (( (( (فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79) } [10] .
قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: (حَكَمَ اللهُ على اليهودِ بالغَضَبِ , و النصارى بالضلال) [11] .
وقال الإمام الثعالبي رحمه الله تعالى: (وذلكَ بيِّنٌ مِنْ كتاب الله , لأنَّ ذِكرَ غَضَبِ الله على اليهود متكرِّر فيه .. ) [12] .
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (الأمةُ الغَضَبِيَّة هم اليهودُ بنصِّ القرآن , وأُمَّةُ الضلال هم النصارى الْمُثَلِّثَة عُبَّادُ الصلبان) [13] .
وكذا قال الفزاري في صبح الأعشى في صناعة الإنشاء [14] .
وقال الإمام الغرناطي رحمه الله تعالى: (الغَضَبُ صفةُ اليهود فِي مواضعَ من القرآن , والضَّلالُ صفةُ النصارى) [15] , وقال أيضًا: (الغَضَبُ صارَ عُرْفًا لليهود .. ) [16] .
(1) الآية 44 من سورة النحل.
(2) الآية 105 من سورة النساء.
(3) الآية 64 من سورة النحل.
(4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى ج13/ 363 - 375 بتصرف.
(5) الآية 90 من سورة البقرة.
(6) الآية 60 من سورة المائدة.
(7) الآية 152 من سورة الأعراف.
(8) الآية 13 من سورة الممتحنة.
(9) الآية 112 من سورة آل عمران.
وينظر: التسهيل لعلوم التنْزيل ج4/ 116 , والمحرَّر الوجيز ج5/ 280 , وتفسير الثعالبي ج4/ 280 , وفتح القدير ج5/ 192.
(10) الآيات 77 - 79 من سورة المائدة.
(11) تفسير البغوي ج1/ 44.
(12) تفسير الثعالبي ج1/ 26.
وينظر: تفسير الثعلبي ج1/ 124 , وتفسير العز بن عبد السلام ج1/ 92 , وفيض القدير ج5/ 385 , وتفسير آيات من القرآن لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى ص18.
(13) أحكم أهل الذمة ج1/ 484.
(14) ص372.
(15) التسهيل لعلوم التنْزيل ج1/ 34.
(16) السابق ج4/ 116.