وَالْمُتَفَلْسِفَة يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ جَاءَ بِالطَّرِيقِ الخطابية وَالْمُقَدِّمَاتِ الْإِقْنَاعِيَّةِ الَّتِي تُقْنِعُ الْجُمْهُورَ وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ جَاءُوا بِالطُّرُقِ الْجَدَلِيَّةِ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ الْبُرْهَانِ الْيَقِينِيِّ . وَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْبُرْهَانِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ والمتكلمون أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِيَّاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ وَلَكِنْ لِلْمُتَفَلْسِفَةِ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ خَوْضٌ وَتَفْصِيلٌ تَمَيَّزُوا بِهِ بِخِلَافِ الْإِلَهِيَّاتِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِهَا وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فِيهَا وَكَلَامُ أَرِسْطُو مُعَلِّمُهُمْ فِيهَا قَلِيلٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ فَهُوَ لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى ؛ وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَى . وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْقُرْآنُ جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ؛ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَهِيَ الدَّلَائِلُ الْيَقِينِيَّاتُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: { ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } والمتفلسفة يُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِطُرُقِهِمْ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي الْبُرْهَانِ وَالْخَطَابَةِ وَالْجَدَلِ وَهُوَ ضَلَالٌ مِنْ وُجُوهٍ قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ الْحِكْمَةُ هِيَ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَالْعَمَلُ بِهِ فَالْقُلُوبُ الَّتِي لَهَا فَهْمٌ وَقَصْدٌ تُدْعَى بِالْحِكْمَةِ فَيَبِينُ لَهَا الْحَقُّ عِلْمًا وَعَمَلًا فَتَقْبَلُهُ وَتَعْمَلُ بِهِ . وَآخَرُونَ يَعْتَرِفُونَ بِالْحَقِّ لَكِنَّ لَهُمْ أَهْوَاءً تَصُدُّهُمْ عَنْ اتِّبَاعِهِ فَهَؤُلَاءِ يُدْعَوْنَ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْحَقِّ وَالتَّرْهِيبِ مِنْ الْبَاطِلِ . وَالْوَعْظُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بِتَرْغِيبِ وَتَرْهِيبٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ } وَقَالَ تَعَالَى: { يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا } فَالدَّعْوَةُ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ لِمَنْ قَبِلَ الْحَقَّ وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فَإِنَّهُ يُجَادَلُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . وَالْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذَا وَهَذَا وَلِهَذَا إذَا جَادَلَ يَسْأَلُ وَيَسْتَفْهِمُ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ الْبَيِّنَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَجْحَدَهَا ؛ لِتَقْرِيرِ الْمُخَاطَبِ بِالْحَقِّ وَلِاعْتِرَافِهِ بِإِنْكَارِ الْبَاطِلِ كَمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } وَقَوْلِهِ: { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } وَقَوْلِهِ: { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } وَقَوْلِهِ: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى } { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى } { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } وَقَوْلِهِ: { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ } { أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ } وَقَوْلِهِ: { وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى } وَقَوْلِهِ: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } وَقَوْلِهِ: { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ } وَقَوْلِهِ: { أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ } { وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَاطِبُهُمْ بِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ الْمُتَضَمِّنِ إقْرَارِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ جَدَلٍ بِالْبُرْهَانِ ؛ فَإِنَّ الْجَدَلَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُسَلِّمَ الْخَصْمُ الْمُقَدِّمَاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَإِذَا كَانَتْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَانَتْ بُرْهَانِيَّةً . وَالْقُرْآنُ لَا يُحْتَجُّ فِي مُجَادَلَتِهِ بِمُقَدِّمَةِ لِمُجَرَّدِ تَسْلِيمِ الْخَصْمِ بِهَا كَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْجَدَلِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ