…ومن كيد عدو الله الشيطان وحزبه، أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، لئلا يجاهدوهم، ولا يأمروهم بمعروف، ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهانا أن نخافهم فقال تعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (آل عمران:175) ، وفي هذه الآية نهى من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمر لهم أن يقصروا خوفهم على الله، فلا يخافون إلا إياه، وهذا هو الإخلاص الذي أمر الله به عباده ورضيه منهم، فإذا أخلصوا له الخوف وجميع العبادة أعطاهم ما يرجون وأمنهم من مخاوف الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } (الزمر:36) (1) ، ولهذا قال العلامة الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل شيخ نقلًا عن ابن القيم: (الخوف عبودية القلب، فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب) (2) .
…ولذلك فالخوف فرض وواجب وهو من قضايا التوحيد والعقيدة لا يصح الإيمان بالله إلا بتحقيقه، جاء في كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين. (3) (ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف) .
…أما الخوف الذي ينافي التوحيد، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره، كما قال تعالى عن قوم هود عليه السلام إنهم قالوا له: { قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ } (هود:54-55)
(1) السابق - ج4 - ص291 - وتفسير الطبري - ج4 - ص122.
(2) آل شيخ - عبدالرحمن - فتح المجيد - شرح كتاب التوحيد - تحقيق محمد حامد - القاهرة - سنة 1193هـ - ص346.
(3) ص424 - وانظر التفسير القيم لابن القيم - دار الفكر - ص100.