فهرس الكتاب
قال البيري: (( وسيأتي - إن شاء الله - بقية المسائل التي للقاضي أن يفعلها في مال الغائب عند قوله:( ينصب القاضي وصيا في مواضع ) . ))اهـ .
قوله: وَمِنْهَا: التَّسْعِيرُ الخ (2)
(1) بداية ص 188/ب من النسخة ( ب ) .
(2) اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الأصل في التسعير هو الحرمة . فاستدل الكاساني صاحب البدائع لإثبات الحرمة بالمنقول من الكتاب والسنة: أما الكتاب: فقوله تعالى: ? - الله ? الله - الله أكبر ? - - - - - الله أكبر الله أكبر الله ? - ? الله أكبر ?- جل جلاله - - بسم الله الرحمن الرحيم - ? - - المحتويات - ? - ? الله ? - - ? - الله درهم المحتويات - - ? - الله أكبر ? - - - - الله - ? الله أكبر ? - ? - الله ? صدق الله العظيم ? - - - ? - - الله ? الله أكبر صدق الله العظيم - الله - - ?- جل جلاله -? - الله أكبر الله - - ? - - - جل جلاله - - - - بسم الله الرحمن الرحيم - درهم تمهيد - - ? - - - - الله أكبر ? الله الله أكبر - - ? - - الله أكبر الله الله أكبر - - جل جلاله - - ? الله ? صدق الله العظيم ? - الله - الله الله أكبر - - صدق الله العظيم ? الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم - جل جلاله -? ? [ النساء: 29 ] . فاشترطت الآية التراضي , والتسعير لا يتحقق به التراضي . وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: (( لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ) ) [ رواه الإمام أحمد في المسند ( 20172 ) ] . واستدل ابن قدامة الحنبلي في المغني بما روى أنس رضي الله عنه قال: (( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ ) ) [ رواه الإمام أحمد في المسند ( 12181 ) ، والترمذي ( 1314 ) في البيوع باب ما جاء في التسعير ، وأبو داود ( 3451 ) في البيوع باب في التسعير ، وابن ماجه ( 2200 ) في التجارات باب من كره أن يسعر ] . قال ابن قدامة: والدلالة من وجهين: 1 - أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يسعر , وقد سألوه ذلك , ولو جاز لأجابهم إليه . 2 - أنه علل بكونه مظلمة والظلم حرام . وبما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: (( أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو يبيع زبيبا له في السوق , فقال له: إما أن تزيد في السعر , وإما أن ترفع من سوقنا , فلما رجع عمر حاسب نفسه , ثم أتى حاطبا في داره , فقال له: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء , إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد , فحيث شئت فبع , وكيف شئت فبع ) ) [ رواه الإمام مالك في الموطأ ( 1352 ) في البيوع باب الحكرة والتربص ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 10929 ) في كتاب البيوع باب التسعير ] . كما استدلوا بالمعقول: وهو أن للناس حرية التصرف في أموالهم , والتسعير حجر عليهم , والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين , وليس نظره لمصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره لمصلحة البائع بتوفير الثمن . والثمن حق العاقد فإليه تقديره . ثم إن التسعير سبب الغلاء والتضييق على الناس في أموالهم ; لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدًا يُكْرَهون على بيعها فيه بغير ما يريدون , ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها , ويطلبها أهل الحاجة إليها , فلا يجدونها إلا قليلا , فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها , فتغلو الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين , جانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه , وجانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم , فيكون حراما . إلا أن هناك حالات يكون للحاكم بمقتضاها حق التدخل بالتسعير , أو يجب عليه التدخل على اختلاف الأقوال . وهذه الحالات هي: أ - تعدي أرباب الطعام عن القيمة تعديا فاحشا: وفي هذه الحالة صرح فقهاء الحنفية بأنه يجوز للحاكم أن يسعر على الناس إن تعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديا فاحشا , وعجز عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير , وذلك بعد مشورة أهل الرأي والبصيرة , وهو المختار , وبه يفتى ; لأن فيه صيانة حقوق المسلمين عن الضياع , ودفع الضَّرَر عن العامة . والتعدي الفاحش كما عرفه الزَيْلَعِيّ وغيره: هو البيع بضعف القيمة . ب - حاجة الناس إلى السلعة ، وفي هذا المعنى قال الحنفية: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس , إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة , كما اشترط المالكية وجود مصلحة فيه , ونسب إلى الشافعي مثل هذا المعنى . وكذا إذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد , فعلى أهل السلاح بيعه بعوض المثل , ولا يُمكَّنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو , أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون . ويقول ابن تيمية: إن لولي الأمر أن يُكرِه الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه , مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه , والناس في مخمصة , فإنه يُجبر على بيعه للناس بقيمة المثل . ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله , ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره . والأصل في ذلك حديث العتق , وهو قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (( مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ) ) [ أخرجه البخاري ( 2522 ) في العتق باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء ، ومسلم ( 1501 ) في العتق باب ذكر سعاية العبد ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ] ويقول ابن القيم: إن هذا الذي أمر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم من تقويم الجميع ( أي جميع العبد ) قيمة المثل هو حقيقة التسعير , فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق , ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة , فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم , مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره . ج - احتكار المنتجين أو التجار: لا خلاف بين الفقهاء في أن الاحتكار حرام في الأقوات , كما أنه لا خلاف بينهم في أن جزاء الاحتكار هو بيع السلع المحتكرة جبرا على صاحبها بالثمن المعقول مع تعزيره ومعاقبته . وما تحديد الثمن المعقول من جانب ولي الأمر إلا حقيقة التسعير , وهذا توجيه صرح به ابن تيمية . في حين اعتبر بعض الفقهاء المحتكر ممن لا يسعر عليه كما سيأتي . د - حصر البيع لأناس معينين: صرح ابن تيمية بأنه لا تردد عند أحد من العلماء في وجوب رد التسعير في حالة إلزام الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون , فهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل , ولا يشترون إلا بقيمة المثل . لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه , فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا , أو يشتروا بما اختاروا لكان ذلك ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال , وظلما للمشترين منهم . فالتسعير في مثل هذه الحالة واجب بلا نزاع , وحقيقة إلزامهم أن لا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل . هـ - تواطؤ البائعين ضد المشترين أو العكس: إذا تواطأ التجار أو أرباب السلع على سعر يحقق لهم ربحا فاحشا , أو تواطأ مشترون على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس يجب التسعير , وهذا ما اختاره ابن تيمية , وأضاف قائلا: ولهذا منع غير واحد من العلماء - كأبي حنيفة وأصحابه - القُسام الذين يقسمون بالأجر أن يشتركوا , فإنهم إذا اشتركوا , والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر , فمنع البائعين - الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه - أولى , وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم , حتى يهضموا سلع الناس أولى . لأن إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان . وقد قال تعالى: ? المحتويات - ? - ? الله ? - الله ? الله الله أكبر - الله ? ? - ? الله ? الله - - جل جلاله - الله أكبر - ? - - - - عليه السلام -? الله ? الله أكبر ? بسم الله الرحمن الرحيم - - ? - - الله ? ? - درهم الله ? المحتويات - ? - ? الله ? - الله ? الله الله أكبر - ? - ? الله ? - جل جلاله -- رضي الله عنهم - صدق الله العظيم الله أكبر - - - تمهيد ? - - - - ? - الله ? صدق الله العظيم - - ? - ? - - الله ? ? [ المائدة: 2 ] و - احتياج الناس إلى صناعة طائفة: وهذا ما يقال له التسعير في الأعمال: وهو أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك , فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة المثل إذا امتنعوا عنه , ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل , ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم . وخلاصة رأي ابن تيمية وابن القيم أنه إذا لم تتم مصلحة إلا بالتسعير سعر عليهم السلطان تسعير عدل بلا وكس ولا شطط , وإذا اندفعت حاجتهم , وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل . وهذا يدل على أن الحالات المذكورة ليست حصرا للحالات التي يجب فيها التسعير , بل كلما كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير , ولا تتحقق مصلحتهم إلا به كان واجبا على الحاكم حقا للعامة , مثل وجوب التسعير على الوالي عام الغلاء كما قال به مالك , وهو وجه للشافعية أيضا . انظر العناية شرح الهداية للبابرتي10/59 ، الجوهرة النيرة 2/286 ، درر الحكام شرح غرر الأحكام 2/322 ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم 8/229 ، أسنى المطالب شرح روض الطالب 2/38 ، مغني المحتاج للخطيب الشربيني 2/392 ، نهاية المحتاج للرملي 3/473 ، المغني لابن قدامة 4/151 ، كشاف القناع للبهوتي 3/187 ، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 3/62 ، مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/90-105 ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم 355-384 .