الصفحة 58 من 440

وكذا للتَّداوي (1)

(1) اتفق الفقهاء على عدم جواز التداوي بالمحرم والنجس من حيث الجملة ؛ لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (( إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً ، فَتَدَاوَوْا ، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ ) ). [ أخرجه أبو داود ( 3874 ) في كتاب الطب باب في الأدوية المكروهة ، قال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في جامع الأصول 7/512: هو حديث حسن بشواهده ] ، ولقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) ) [ أخرجه البخاري تعليقا في كتاب الأشربة باب شرب الحلواء والعسل ، ووصله الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 10/79 وقال: سنده صحيح على شرط الشيخين ] وقد عمم المالكية هذا الحكم في كل نجس ومحرم , سواء أكان خمرا , أم ميتة أم أي شيء حرمه الله تعالى , وسواء كان التداوي به عن طريق الشرب ، أو طلاء الجسد به , وسواء كان صرفا ، أو مخلوطا مع دواء جائز , واستثنوا من ذلك حالة واحدة أجازوا التداوي بهما , وهي أن يكون التداوي بالطلاء , ويخاف بتركه الموت , سواء كان الطلاء نجسا أو محرما , صرفا أو مختلطا بدواء جائز . وأضاف الحنابلة إلى المحرم والنجس كلَّ مستخبث , كبول مأكول اللحم أو غيره , إلا أبوال الإبل فيجوز التداوي بها , وذكر غير واحد من الحنابلة أن الدواء المسموم إن غلبت منه السلامة , ورُجِيَ نفعه , أبيح شربه لدفع ما هو أعظم منه , كغيره من الأدوية , كما أنه يجوز عندهم التداوي بالمحرم والنجس , بغير أكل وشرب . وشرط الحنفية لجواز التداوي بالنجس والمحرم أن يعلم أن فيه شفاء , ولا يجد دواء غيره , قالوا: وما قيل إن الاستشفاء بالحرام حرام غير مُجْرَى على إطلاقه , وإن الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء , أما إذا علم , وليس له دواء غيره , فيجوز . ومعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه: (( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) )يحتمل أن يكون قاله في داء عرف له دواء غير المحرم ؛ لأنه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام , ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة , فلا يكون الشفاء بالحرام , وإنما يكون بالحلال . وقصر الشافعية الحكم على النجس والمحرم الصرف , فلا يجوز التداوي بهما , أما إذا كانا مُسْتَهْلَكَيْنِ مع دواء آخر , فيجوز التداوي بهما بشرطين: أن يكون عارفا بالطب , حتى ولو كان فاسقا في نفسه , أو إخبار طبيب مسلم عدل , وأن يتعين هذا الدواء فلا يغني عنه طاهر . انظر بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني 1/61و62 ، تبيين الحقائق للزيلعي 1/28 ، العناية شرح الهداية للبابرتي 10/67 ، درر الحكام شرح غرر الأحكام 1/319 ، التاج والإكليل لمختصر خليل 8/ 436 ، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل 1/119و120 ، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني 2/339و340 ، منح الجليل شرح مختصر خليل 9/353و354 ، المجموع شرح المهذب للنووي 3/145و146 ، أسنى المطالب شرح روض الطالب 1/172 ، فتاوى الرملي 1/175 ، المغني لابن قدامة 9/337 ، الفروع لابن مفلح 2/167 ، كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي 6/200 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت