الصفحة 99 من 440

قوله: وَإِنَّمَا يُبَاحُ التَّعْرِيضُ (1)

(1) التعريض: لغة ضد التصريح , يقال: عرَّضَ لفلان وبفلان: إذا قال قولًا عامًا , وهو يعني فلانا , ومنه: المعاريض في الكلام . وهو في الاصطلاح: ما يفهم به السامع مراد المتكلم من غير تصريح ، أو هو كما عرفه الحافظ ابن حجر العسقلاني: كلام له وجهان يطلق أحدهما والمراد لازمه . وقد نقل عن بعض السلف: أن في المعاريض مندوحة عن الكذب , قال البيهقي: (( قالَ أبو عُبَيْدٍ: المعاريضُ أَنْ يريدَ الرجلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بالكلامِ الَّذِي إِنْ صَرَّحَ بِهِ كانَ كَذِبًا ، فَيُعَارِضَهُ بكلامٍ آخَرَ يوافقُ ذلكَ الكلامَ في اللفظِ ، ويُخَالِفُهُ في المَعْنَى ، فَيَتَوَهَّمُ السامعُ أنهُ أرادَ ذلكَ ، وقولُهُ: مَنْدُوْحةٌ: يعني سَعةً وفُسْحةً . قال: وهَذَا إِنَّمَا يجوزُ فيما يَرُدُّ بِهِ ضررًا ولا يَرْجِعُ بالضَّرَرِ على غيرِهِ ، وأَمَّا فِيْمَا يُضِرُّ غَيْرَهُ فَلاَ ) )ومن الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (( أمَا فِي المعاريضِ ما يُغْنِي الرجلَ عن الكَذِبِ ) ). [ رواه البخاري في الأدب المفرد ( 884 ) باب المعاريض 1/305 ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 20630 ) في كتاب الشهادات باب المعاريض فيها مندوحة عن الكذب , وفي شعب الإيمان ( 4793 ) 4/203 ، وابن عبد البر في التمهيد 16/252 ، وابن أبي شيبة ( 26095 ) في كتاب الأدب باب من كره المعاريض ومن كان يحب ذلك ] ، وقال رضي الله عنه: (( مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِمَا أَعْلَمُ مِنْ مَعَارِيضِ الْقَوْلِ مِثْلَ أَهْلِي وَمَالِي ثُمَّ مِثْلَ أَهْلِي وَمَالِي ) ) [ رواه ابن أبي شيبة ( 26094 ) في كتاب الأدب باب من كره المعاريض ومن كان يحب ذلك ] ، وعن مُطرِّف قال: صحبتُ عِمرانَ بن الحُصَيْن مِن الكوفة إلى البصرة فما أتى عليَّ يومٌ إلا أنشدنا فيه شِعْرًا ويقول لنا في ذلك: (( إِنَّ لكُمْ في المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الكذِبِ ) ). [ رواه البخاري في الأدب المفرد ( 885 ) باب المعاريض 1/305 ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 20631 ) في الشهادات باب المعاريض فيها مندوحة عن الكذب ، وفي شعب الإيمان ( 4794 ) 4/203 ، وابن أبي شيبة ( 26096 ) في كتاب الأدب باب من كره المعاريض ومن كان يحب ذلك ، وابن عبد البر في التمهيد 16/252 ، والطبراني في المعجم الكبير ( 201 ) 18/106 ، قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 10/594: ورجاله ثقات ] وروي مثل ذلك عن كثير من الصحابة والتابعين ، وإنما أرادوا بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب , فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا , ولكن التعريض أهون . وهذا كله في موضع الحاجة , فأما في غير موضع الحاجة فلا ; لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا فهو مكروه على الجملة . قال ابن القيم: (( التعريض المباح ليس من المخادعة لله في شيء , وغايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه , ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم المبطل جواز مخادعة المحق ; فما كان من التعريض مخالفا لظاهر اللفظ كان قبيحا إلا عند الحاجة وما لم يكن منها مخالفا لظاهر اللفظ كان جائزا إلا عند تضمن مفسدة . والمعاريض كما تكون بالقول تكون بالفعل , وتكون بالقول والفعل معا , مثال ذلك: أن يظهر المحارب أنه يريد وجها من الوجوه ويسافر إليه ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يكر عليه وهو آمن من قصده , أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه , وهذا من خداعات الحرب ) ). انظر الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي 1/14-32 ، بريقة محمودية للإمام الخادمي الحنفي 3/180 ، فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 10/594 ، تفسير القرطبي 3/188 ، نيل الأوطار 8/250 ، المبسوط للسرخسي 30/211 ، الفتاوى الكبرى لابن تيمية 6/120 ، إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/187 ، غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريني الحنبلي 1/141 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت