الصفحة 2 من 6

بالعجز والكسل؟ كلا بل هو المثال الحي للإخلاص في العبادة، وهو القائل لأخص الناس به ابنته وعمته: (( إعملا فإنني لن أغني عنكما من الله شيئا ) )، إرشادًا منه للأمة أن تأخذ بسنن الحياة في توخي الوسائل والأسباب، وأن تسخر مواهبها في كل ما ترجوه في المجالات المادية أو الروحية، لأن الله تَعَالَى وهو الرازق الوهاب يعطي وييسر أو يحرم ويعسر وفق توجه الإنسان ونيته يقول تَعَالَى:) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (( [4] ) ، والناس مدفوعون بغرائزهم في سلوكهم إلا أن دوافعهم في ذلك تختلف وفق ما تعودوا عليه في تربيتهم وعلاقتهم بغيرهم، غير أن المؤمن ينبغي أن يطرح من حسابه مراعاة الخلق في علاقته بخالقة، وهو يتصل به ويرجو رضاه، إذ تنتفي عند الله حالات السر والعلن إذا ما تغير موقف العبد فيها أثناء عمله، ولذا نجد رسول الله r يؤكد على التزام الإخلاص في الموقفين السر والعلن، سيما إذا جسد الإنسان نيته في عمل شائن كان في مقدوره أن لا يفعله، لأن العمل في تقييم الإسلام لا يوزن بالكم والعدد، ولكن بالدوافع والنيات وبالمقاصد والغايات يقول رسول الله r: (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) )، ويعطي الرسول مثلا لذلك من الهجرة وهي تجسد يومئذ النموذج الأعلى في الإخلاص لله ورسوله، فيقول ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ: (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ).

أمة الإسلام:

الإخلاص من أجل الفضائل قدرا وأقواها أثرا في إصلاح المجتمع وأعظمها في نجاح العمل وكسب الثقة والفوز بمحبة الله ومحبة الناس وفي الحديث القدسي عن الله عز وجل: (( الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببت من عبادي ) )، فعلى المسلم أن يقصد بقوله وعمله وكل شؤونه وجه الله وابتغاء مرضاته من غير نظر إلى مغنم أو جاه ليرتفع المرء عن نقائص الأعمال، ورذائل الأخلاق، ولا يعتبر العمل خيرا إلا إذا كان عن نية طيبة خالصة لوجه الله، لأن العمل حينئذ يناط بغاية واحدة ومثل أعلى هو الله تَعَالَى، عن معاذ بن جبل ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ ـ أنه قال: حين بعثه رسول الله r إلى اليمن قال: يا رسول الله أوصني قال: (( أخلص دينك يكفك العمل القليل ) )، فالإخلاص وحده هو الذي توزن به الرجال وتقدر به الأعمال، ولقد ضرب المسلمون الأولون المثل الأعلى في إخلاصهم في السر والعلن وفي اليسر والعسر، وفي الخوف والرجاء، فغيروا مجرى التاريخ واستخلفهم الله في الأرض ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويوم أن ترك المسلمون الإخلاص ضعف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت