فهرس الكتاب
و"الأعلى"صفة الرب. والمراد بالعلو العلو: بالقهر والاقتدار، لا بالمكان والجهة، لتنزهه عن ذلك. وهذا العلو واجب لله في ذاته وصفاته وأفعاله: فأما في اذته فبأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، وأما في صفاته فبأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية، وأما في أفعاله فبان تعتقد أنه مالك مطلق عليم حكيم، فلا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور، سواء علمت الحكمة أو جهلتها. ولا معنى لذلك بعد إيمانك بأنه حكيم عليم:
دع الاعتراض فما الأمر لك . . . ولا الحكم في دوران الفلك
ولا تسأل الله عن فعله . . . فمن خاض لجة بحر هلك
وقد كتبنا بتوسع في هذا الموضوع برسالتنا: تفسير قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} .
وبالجملة فهو أعلى من كل ما يصفه به الواصفون، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون، فجلان كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا.
ويحسن بنا أن نلفت نظرك إلى أن السياق يدل دلالة واضحة على أن المراد بالعلو: علو الاقتدار والعظمة والملك، لا علو المكان والجهة، لأن العلو الحسي عبارة عن كووه تعالى في غاية البعد عنا. وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم. أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخلق والإبداع فيناسب ذلك. والسورة ها هنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم.