فهرس الكتاب
وأستلفت نظرك بعد هذا كيف خلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقع فيها، وجعل طرفيهما منخفضين عن وسطهما قليلا لينصرف ما يقع في العين لاحد الجانبين.
ثم انظر إلى الفم واللسان وما في ذلك من الحكم، وكيف جعل الشفتين سترا للفم كأنهما باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى فتحه، وهي ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال، فلولاهما لتشوهت الخلقة، ومع ذلك هما معينان على الكلام، وبعض الحروف يتوقف عليهما ولا يكون إلا بهما. وكيف جعل اللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان، فضلا عن تقليب الطعام وإلقائه تحت الأضراس حتى يستحكم مضغه ويسهل ابتلاعه، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع.
ثم جعل الأسنان أعدادا متفرقة ولم تكن عظما واحدا، فإن أصاب بعضها ثلم انتفع بالباقي. وقد جمع فيها بين النفع والجمال، وجعلها صلبة ليست كعظام البدن لمزيد الحاجة إليها. واقتصت الحكمة أن جعل الثنايا والأنياب لتقطيع الطعام مع كونهما جمالا للفم، فأحكم أصولها، وحدد رءوسها، وبيض لونها مع حمرة ما حولها، وجعلها متساوية الرأس، متناسبة التركيب كأنها الدر المنظوم.
ثم انظر كيف خلق في الفم نداوة محبوسة لا تظهر إلا في وقت الحاجة إليها، وهي"الريق"ولو ظهرت وسالت قبل ذلك لكان تشويها للإنسان. وحكمتها أن يبل بها ما يمضغ من الطعام حتى يسهل تسويغه من غير عنت ولا ألم.