فهرس الكتاب
فإذا فقد الأكل عدمت تلك النداوة الزائدة التي خلقت للترطيب وبقي منها ما يبل اللهوات والحلق، لتصوير الكلام، ولئلا يجف، فإن جفافه يجلب للإنسان أعظم الضرر.
ثم انظر إلى رحمة الله لطقه إذ جعل للأكل لذة الأكل، فجعل الذوق في اللسان وجميع أجزاء الفم، ليعرف بالذوق ما يوافقه ويلائمه من الملذوذ، فيجد في ذلك راحة في الطعام والشراب إذا دعت حاجة إلى تناوله، وليجتنب الشيء الذي لا يوافقه، ويعرف بذلك حد ما تصل الأشياء إليه في الحرارة والبرودة.
ثم انظر إلى إدراكه المشمومات بواسطة ولوج الهواء، وذلك سر لا يعلم حقيقته إلا البارئ سبحانه. وقد جعل في الأنف حاسة الشم ليستدل باستشاقه على روائح مطاعمه ومشاربه، ليتنعم بالروائح العطرة ويجتنب الخبائث، وليستنشق أيضا روح الحياة غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه.
ثم انظر إلى الإذن كيف جعل فيها انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلى بعد انكسار حدتها فلا يصدمها وهلة واحدة فيؤذيها، ولكي يعرقل سير ما عسى أن يدخل إليها من الدبيب والحشرات، فإذا دخل إلى المعوج من تلك الانعطافات وقف هناك فسهل إخراجه.
وكانت العينان في وسط الوجه والأذنان في جانبيه، لأن العين محال الملاحة والزينة والجمال، وهما بمنزلة النور يمشي بين يدي الإنسان.