الصفحة 139 من 386

وأيضا كان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان وأمامه وعن يمينه وعن يساره سواء، فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة، وخلقت العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء، وهذا في غاية الحكمة، إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلى بعد ارتفاع الغطاء، والصوت عرض لا ثبات له، فكان يزول قبل كشف الغطاء، بخلاف ما تراه العين فإنه أجسام وأعراض لا تزول أثناء كشف الغطاء.

ثم انظر إلى بقية الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين، ثم الباطنة كالمعدة والقلب والكبد والرئتين والأمعاء والكليتين (ولا تنس السبيلين) وما فيك من القوى المختلفة من الغاذية والنامية والجاذبة والدافعة والمصورة وما نيط بكل من الوظائف والأعمال. حتى أنك تجد في الحلق منفذين: منفذا للنفس، ومجرى آخر بجانبه للطعام والشراب. وقد اقتضت الحكمة أن تجعل هناك غطاء يغطي مجرى النفس عند بلع الطعام، وهو المسمى بلسان المزمار، لئلا تدخل فيه اللقمة التي قد تسبب الموت. وما أسرع ما ينفتح ويعود حال الأكل. إلى آخر ما لا يمكن تفصيله في عجالة كهذه.

فلنقل كما قال علي رضي الله عنه: سبحانه من بصر بشحم وأنطق بلحم، وأسمع بعظم. {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت