فهرس الكتاب
وأقول: إن نظر علمائنا في هذا الموضوع أبعد غورًا من غيرهم، فإنهم إذا ظفروا بعلل الأشياء وأسبابها جعلوا ذلك من براهيم حكمة الحكيم ودلائل وجوده، فإن هذه العلل ليس لها وجود من نفسها، لأن دلائل الإمكان فيها واضحة، وكل ما ليس بواجب الوجود فلا بد له من واجب الوجود.
ثم نقول: ما الذي متعها بتلك الخصائص التي جعلتها عللًا وأسبابًا؟ فقد كان يجوز أن تكون بصفات أخرى وقوى أخرى، فإنها قابلة لذلك كله بمقتضى إمكانها وتغيرها الذي نشاهده، فكان وجودها بعد عدم وتمتيعها بتلك القوى المخصوصة من أكبر الأدلة وأعظم البراهين. وليت شعري لماذا عدد الله العناصر المختلفة حتى جعلها تزيد على السبعين أو الثمانين، ثم جعل لكل منها خصائص لا توجد في غيره، بل قد تكون متضاده، كالأكسوجين، والأزت، والكربون.
فمن ذا أوجدها كلها ومتعها بهذه الخصائص حتى تتعاون على هذا النظام البديع؟ وليت شعري ما الذي أوقفها عند هذا الحد فلم تنقص عنه ولم تزد عليه، غير مشيئة الله الذي علم كل شيء ودَبَّرَ كل شيء فسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
والحق أقول: إني لم أر في هذا الوجود على سعة أكتافه وتباعد أطرافه وكثرة تنوعاته وتشعب مبدعاته، أجن من أولئك الملحدين: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ