الصفحة 275 من 386

فتستدل بها على قادر عظيم لا ندري ما هي الأسرار التي أودعها ونوعها ولا نعلم كيف يفعل. فكما تنزه في ذاته أن تدركه العقول كذلك تنزه في فعله عن أن نعلم كيف يكون، فهل أودعت الأشياء هذه الأسرار في أنفسها، وكيف ذلك!؟ وهل نوعتها إلى تلك الأنواع التي لا يحيط بها محيط وباينت بينها وخصصت كلًا بكل. إلخ إلخ؟ وليت شعري كيف ذلك هي الصماء البكماء بل الجماد الميت.

12-بل نقول: كيف نعقل وجود المادة، هل ترى - أيدك الله - أنها وجدت من غير شيء وأودعت تلك الأسرار المتنوعة التي تخرج عن نطاق العد؛ بل التي لا نهاية لها من غير شيء اللهم إن ذلك كله باطل بالبداهة ولا يتجرعه ولا يكاد يسيغه إلا مجنون فسد عقله أو بطلت إنسانيته وضاعت فطرته التي فطر الله الناس عليها. أن نقول إن ذلك كله قد وجد بأصله وأسراره وحكمه ونظامه بالصدفة كما يقول أولئك المجانين.

وأنت لا تجيز إذا رأيت قصرًا مشيدًا مشتملًا على ترتيب عجيب ونظام غريب كل شيء فيه لغرض من الأغراض وسر من الأسرار أن يكون قد وجد بالصدفة. بل لا تجيز أن يوجد أقل شيء بالصدفة. بل نرجع بك إلى أصل وجود الأشياء من العدم فإن كنت تجيز الصدفة في ذلك كله ويهضم ذلك عقلك فقد سقطت مكالمتك.

وبعد: فتبًا لمن عمى عن رؤية شمسه تعالى المشرقة على جميع الموجودات وباهر آياته التي ملأت الأرضين والسموات ثم ينسب ذلك لعلم الطبيعة زورًا وبهتانًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت