الصفحة 309 من 386

القسم، وكأنه قيل: أقسم بعظمة كذا وقت كذا، لأن الوقت هو وقت ظهور سلطانه، وتجلى برهانه.

ثم قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } : أي من بناها. وإيثار {مَا } على {مِنْ} لإرادة وصف العظمة في من بناها، والجلال في من سواها. وإذا أريد ذلك كان المقام لما، لا لمن، كما هو مقرر في محله، فكأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها. على أن (ما) قد يعبر بها عن ذوي العلم كثيرًا. والمراد ببنائها إيجادها.

هذا ثم نقول: إن عظمة السماء لتأخذ بلب من ينظر إليها متأملا فيها، فلا يستطيع المرء أن يرفع بصره نحو السموات العلى إلا ويغض إجلالا وإعظاما.

انقضت العصور وتوالت الدهور والبشر معجبون مسحورون بجمال القبة الزرقاء وجلالها، يتطاولون إلى إدراكها بالخيال، ويستنزلونها إلى الأرض بالقرائح، فلم يستطلعوا من أمرها، ولم يخبروا من خبرها شيئًا إلا مشوبًا بالأوهام، وشبها بالأحلام. والفضل الأكبر في تقديرها قدرها، وتعريف ما يقرب من الحقيقة في شأنها، إنما هو فضل علم الفلك الذي عرفنا أن النجوم تزيد على مئات الألوف، وأن نور بعضها لا يصل إلينا إلا بعد ألف سنة وأكثر من سرعة النور الذي يسير في الدقيقة 92 مليون من الأميال. فهو الذي عسى أن يكون أنبأنا عن عظمة تلك القبة الزرقاء التي نوه بشأنها عز وجل في مواضع كثيرة من القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت