فأي فتح كان؟ وقد بين الإمام الزهري رحمه الله عظمة هذا الفتح فقال: ما فُتِحَ في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس. ولما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلّم بعضهم بعضًا، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يُكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئًا في تلك المدة إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. (1)
وقال ابن حجر رحمه الله مبينا أثر ذلك: فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام، جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية. (2)
وقال ابن هشام رحمه الله مستدلا على ذلك: ويدل عليه أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف. (3)
ونفهم من كلام هؤلاء العلماء الثلاثة أن الفتح تمثل أساسًا في كثرة عدد من دخلوا في الإسلام بسبب الصلح.
قد يسأل سائل إذا كان السلم والصلح والموادعة وهداية الناس هو خيار الإسلام فلماذا إذن يدعو إلى إعداد القوة الحربية ولماذا إذن يدعو للجهاد القتالي ويجعل للمجاهدين تلك الدرجات العالية التي نعرفها؟ الجواب يسير: إن الله تعالى الذي خلق الخلق يعلم أن بعضهم لا يكتفي بالكفر بالحق، بل إنه ليكرهه ويكره المتمسكين به ويبذل أقصى ما في وسعه لعدم انتشاره. لا بد للحق إذن من قوة مادية تحميه وتحمي المتمسكين به من مثل هذا العدوان. فالجهاد إنما شرع لمحاربة المعتدين، بل وحتى لمحاربة البغاة من مسلمين.
(1) فتح الباري، المغازي، الحديبية، ج 7، ص 550، طبعة دار السلام،
(2) المرجع السابق، الشروط، الشروط في الجهاد، ج 5، ص 427
(3) نفس المرجع، المغازي، الحديبية، ج 7، ص 550