وإذا نادينا بضرورة إعادة نظام الخلافة، فلا يظن بنا التحليق في الخيال، فقد تعلمنا من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كيف نتفاءل ونواجه الأزمات بروح مشرقة آملين في تحقيق نصر الله عز وجل بعد الأخذ بأسبابه.
يروي الإمام أحمد عن تميم الداري - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم:"لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوبِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ" (1) .
إننا لا نحلق مع أوهام فلاسفة اليوتوبيا كأفلاطون والفارابي وتوماس مور الذين أجهدوا أنفسهم وأقاموا في خيالاتهم صروح دول وأنظمة حكم، بينما تحققت الوحدة الإسلامية في ظل الخلافة قرونًا طويلة، إن أصابها الوهن أحيانًا فقد أثبتت ضرورتها وأهميتها، لا سيما بعد أن أصابنا بفعل الاستعمار اليهودي والصليبي.
فما استطاع أبناء صهيون النفاذ إلى القدس إلا على أشلاء الخلافة العثمانية، كما أثبتت ذلك الوثائق التي نشرت حديثًا، وأهمها مذكرات عبدالحميد، السلطان المظلوم (2) .
ويظهر لنا أن إحياء الخلافة من جديد أصبح ضرورة ملحة لتجميع القوى المتفرقة للمسلمين توطئة لمجابهة التحديات التي تحيط بهم من كل جانب، هذه التحديات العقائدية والاقتصادية والسياسية والعسكرية.
(1) رواه الإمام أحمد في المسند - مؤسسة قرطبة - مصر - 4 / 103، وروا ه الحاكم في المستدرك على الصحيحين - تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا - دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1411هـ - 1990م - 4 / 477.
(2) انظر: ص 541 من كتاب نظام الخلافة في الفكر الإسلامي - د. مصطفى حلمي - دار الأنصار - القاهرة.