الْخَوْفِ فَإِنَّ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ مِنْ خَوْفِ عَتَبَةِ الْغُلَامِ وَعَطَاءِ السُّلَيْمِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا أَمْرٌ عَظِيمٌ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ حَالَهُمْ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ مَا قَابَلَهُمْ أَوْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ . وَمَنْ خَافَ اللَّهَ خَوْفًا مُقْتَصِدًا يَدْعُوهُ إلَى فِعْلِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَتَرْكِ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَحَالُهُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ مِنْ حَالِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ حَالُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ عَطَاءً السُّلَيْمِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رُئِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك ؟ فَقَالَ: قَالَ لِي: يَا عَطَاءُ أَمَا اسْتَحْيَتْ مِنِّي أَنْ تَخَافَنِي كُلَّ هَذَا أَمَا بَلَغَك أَنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَكَذَلِكَ مَا يُذْكَرُ عَنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَحْوَالِ مِنْ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ قَدْ يُنْقَلُ فِيهَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى حَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَى مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ أُمُورٌ تُوجِبُ أَنْ يَصِيرَ النَّاسُ طَرَفَيْنِ . قَوْمٌ يَذُمُّونَ هَؤُلَاءِ وينتقصونهم وَرُبَّمَا أَسْرَفُوا فِي ذَلِكَ . وَقَوْمٌ يَغْلُونَ فِيهِمْ وَيَجْعَلُونَ هَذَا الطَّرِيقَ مِنْ أَكْمَلِ الطُّرُقِ وَأَعْلَاهَا . وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَحْوَالِ مُجْتَهِدُونَ كَمَا كَانَ جِيرَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مُجْتَهِدِينَ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَخَرَجَ فِيهِمْ الرَّأْيُ الَّذِي فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَنْكَرَهُ جُمْهُورُ النَّاسِ . وَخِيَارُ النَّاسِ مِنْ"أَهْلِ الْفِقْهِ وَالرَّأْيِ"فِي أُولَئِكَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى طَرَفَيْنِ . قَوْمٌ يَذُمُّونَهُمْ وَيُسْرِفُونَ فِي ذَمِّهِمْ . وَقَوْمٌ يَغْلُونَ فِي تَعْظِيمِهِمْ وَيَجْعَلُونَهُمْ أَعْلَمَ بِالْفِقْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَرُبَّمَا فَضَّلُوهُمْ عَلَى الصَّحَابَةِ . كَمَا أَنَّ الْغُلَاةَ فِي أُولَئِكَ الْعِبَادِ قَدْ يُفَضِّلُونَهُمْ عَلَى الصَّحَابَةِ وَهَذَا بَابٌ يَفْتَرِقُ فِيهِ النَّاسُ . وَالصَّوَابُ: لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَيْرَ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ وَأَنَّ أَفْضَلَ الطُّرُقِ وَالسُّبُلِ إلَى اللَّهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِمْ وَوُسْعِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَقَالَ: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } . وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ - الْمُتَّقِينَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ - قَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مَا حَصَلَ لِلصَّحَابَةِ فَيَتَّقِي اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَيُطِيعُهُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ خَطَأٌ إمَّا فِي عُلُومِهِ وَأَقْوَالِهِ وَإِمَّا فِي أَعْمَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَيُثَابُونَ عَلَى طَاعَتِهِمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } - إلَى قَوْلِهِ - { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ فَعَلْت . فَمَنْ جَعَلَ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ أَوْ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُبَّادِ وَالنُّسَّاكِ أَفْضَلَ مِنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي طَاعَةٍ أَخْطَأَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَذْمُومًا مَعِيبًا مَمْقُوتًا فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ . ثُمَّ النَّاسُ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ هُمْ أَيْضًا مُجْتَهِدُونَ يُصِيبُونَ تَارَةً وَيُخْطِئُونَ تَارَةً وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إذَا عَلِمَ مِنْ الرَّجُلِ مَا يُحِبُّهُ أَحَبَّ الرَّجُلَ مُطْلَقًا