وَأَعْرَضَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ وَإِذَا عَلِمَ مِنْهُ مَا يُبْغِضُهُ أَبْغَضَهُ مُطْلَقًا وَأَعْرَضَ عَنْ حَسَنَاتِهِ مُحَاطٌ ( ؟ وَحَالُ مَنْ يَقُولُ بالتحافظ ( ؟ وَهَذَا مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْمُرْجِئَةِ . وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَقُولُونَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِقُّ وَعْدَ اللَّهِ وَفَضْلُهُ الثَّوَابُ عَلَى حَسَنَاتِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَى سَيِّئَاتِهِ وَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَمَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَمَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ وَمَا يُذَمُّ عَلَيْهِ وَمَا يُحَبُّ مِنْهُ وَمَا يُبْغَضُ مِنْهُ فَهَذَا هَذَا . وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ مَنْشَأَ"التَّصَوُّفِ"كَانَ مِنْ الْبَصْرَةِ وَأَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَنْ يَسْلُكُ طَرِيقَ الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ مِمَّا لَهُ فِيهِ اجْتِهَادٌ كَمَا كَانَ فِي الْكُوفَةِ مَنْ يَسْلُكُ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ مَا لَهُ فِيهِ اجْتِهَادٌ وَهَؤُلَاءِ نُسِبُوا إلَى اللُّبْسَةِ الظَّاهِرَةِ وَهِيَ لِبَاسُ الصُّوفِ . فَقِيلَ فِي أَحَدِهِمْ:"صُوفِيٌّ"وَلَيْسَ طَرِيقُهُمْ مُقَيَّدًا بِلِبَاسِ الصُّوفِ وَلَا هُمْ أَوْجَبُوا ذَلِكَ وَلَا عَلَّقُوا الْأَمْرَ بِهِ لَكِنْ أُضِيفُوا إلَيْهِ لِكَوْنِهِ ظَاهِرَ الْحَالِ . ثُمَّ"التَّصَوُّفُ"عِنْدَهُمْ لَهُ حَقَائِقُ وَأَحْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي حُدُودِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ:"الصُّوفِيُّ"مَنْ صَفَا مِنْ الْكَدَرِ وَامْتَلَأَ مِنْ الْفِكْرِ وَاسْتَوَى عِنْدَهُ الذَّهَبُ وَالْحَجَرُ . التَّصَوُّفُ كِتْمَانُ الْمَعَانِي وَتَرْكُ الدَّعَاوَى . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ: وَهُمْ يَسِيرُونَ بِالصُّوفِيِّ إلَى مَعْنَى الصِّدِّيقِ وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ الصِّدِّيقُونَ . كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } وَلِهَذَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الصُّوفِيِّ ؛ لَكِنْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنْ الصِّدِّيقِينَ فَهُوَ الصِّدِّيقُ الَّذِي اخْتَصَّ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اجْتَهَدُوا فِيهِ فَكَانَ الصِّدِّيقُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ كَمَا يُقَالُ: صِدِّيقُو الْعُلَمَاءِ وَصِدِّيقُو الْأُمَرَاءِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الصِّدِّيقِ الْمُطْلَقِ وَدُونَ الصِّدِّيقِ الْكَامِلِ الصديقية مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ . فَإِذَا قِيلَ عَنْ أُولَئِكَ الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ: إنَّهُمْ صِدِّيقُونَ فَهُوَ كَمَا يُقَالُ عَنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إنَّهُمْ صِدِّيقُونَ أَيْضًا كُلٌّ بِحَسَبِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ وَقَدْ يَكُونُونَ مِنْ أَجْلِ الصِّدِّيقِينَ بِحَسَبِ زَمَانِهِمْ فَهُمْ مِنْ أَكْمَلِ صِدِّيقِي زَمَانِهِمْ وَالصِّدِّيقُ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْهُمْ وَالصِّدِّيقُونَ دَرَجَاتٌ وَأَنْوَاعٌ ؛ وَلِهَذَا يُوجَدُ لِكُلِّ مِنْهُمْ صِنْفٌ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالْعِبَادَاتِ حَقَّقَهُ وَأَحْكَمَهُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الصِّنْفِ أَكْمَلَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ مِنْهُ . وَلِأَجْلِ مَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي طَرِيقِهِمْ ؛ فَطَائِفَةٌ ذَمَّتْ"الصُّوفِيَّةَ وَالتَّصَوُّفَ". وَقَالُوا: إنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَنْ السُّنَّةِ وَنُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ . وَطَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَكِلَا طَرَفَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ . وَ"الصَّوَابُ"أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ فَفِيهِمْ السَّابِقُ الْمُقَرَّبُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ وَفِيهِمْ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مَنْ قَدْ يَجْتَهِدُ فَيُخْطِئُ وَفِيهِمْ مَنْ يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَوْ لَا يَتُوبُ . وَمِنْ