الصفحة 35 من 55

…إن اشتداد المحن، وتفاقم الفتن، وابتلاء المؤمنين حتى يزلزلوا زلزالًا شديدًا، في هذه اللحظات الحاسمة يكون نصر الله قريب، وأقرب ما يكون على سنة الله في الطبيعة، حيث نرى الرعود القاصفة، والبروق الخاطفة بشير الغيث والرحمة.…وهذا يعني أن الثبات هو بداية الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله تعالى يثبت أقدامه وقلبه، لأنه لا يريد إلا الحياة الدنيا، وهو حريص على هذه الحياة الدنيا التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها، بينما المؤمن واثق من إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة (1) .

…وها هم الأنبياء يعطونا الدرس في الثبات على الحق، غير هيابين ولا وجلين، وما انكسرت نفوسهم في مواجهة الباطل وما ضعفت، فهذا إبراهيم عليه السلام يدعو قومه وأباه فيقذف في النار فيقول:"حسبي الله ونعم الوكيل"فكانت النار بردًا وسلامًا بأمر من الله تعالى.

…وهذا موسى عندما أدركه فرعون ومن معه فكانت الهلكة محققة وفرعون وجنوده من خلفهم والبحر أمامهم، فقال بنو إسرائيل إنا لمدركون فقال موسى عليه السلام الواثق بنصر الله: { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } (سورة الشعراء: 62) .

…وهذا محمد - صلى الله عليه وسلم - يعرض عليه الجاه والسلطان والمال فما لانت له قناة في مواجهة الشرك وأهله، قال تعالى: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (سورة غافر:51) .

(1) انظر: في ظلال القرآن 3/1528، تفسير سورة الأنفال، د. محمد أبو فارس ص100، ط الأولى سنة 1406هـ، مكتبة المنار - الأردن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت