إن بعض الدعاة يتعجل الأمور فيريد أن يَحمل الناس على الحق وتطبيق شرائع الإسلام جملة واحدة، مما يسبب نفورًا وإدبارًا لدى الكثيرين من الناس، وهذا خلل سببه الغفلة عن سنة كونية وشرعية وهي التدرج، فالخالق سبحانه مع قدرته المطلقة في إيجاد الأشياء إلا أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكذلك عندما شرع بعض الأحكام كتحريم الخمر، شرعها بالتدرج. فالحكمة قاضية بالتدرج وصولًا للمطلوب، لأن الطبائع لا تقبل التكاليف جملة واحدة، ولا تتخلى عن عادتها ومألوفها دفعة واحدة ولا تُقلع عما تَرسخَ وتوطن هكذا فورًا وإنما يروض الناس على قبول التكاليف ترويضًا، حتى يتخلوا عنها ويقلعوا.
ويذهب بعض فصائل الصحوة، إلى أنه لا مجال اليوم للتدرج، حيث أُقفل بَابُه بتشريع الأحكام، أما تطبيقها فلابد أن يكون دفعة واحدة (1) . ومما لا شك فيه أن تطبيق شرائع الإسلام في المجتمع هو حُلم كل غيور على الدين، لكن ما انهدم في عدة سنين لا يمكن أن يتم بناؤه خلال أيام أو أعوام، وما غاب قرنًا من الزمان، لا يمكن إعادته في أسابيع، مهما امتلاْ المرء غَيرة وحماسًا، إذ لا يُفيد الحماس من لا يفقه الدعوة ويرتكز على التدرج، وقد مثل المتحمسين عبدالملك ابن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز، الذي وصل إلى سدة الحكم في واقع فيه دخن، فأراد أن يعالج الأمور ويُصلح الأحوال بالتدرج والتؤدة، لكنَّ ولده كان متسرعًا فقال لوالده في حماس الشباب: مالك لا تُنفذَ الأمور، والله لا أبالي لو غلت بي وبك القدور في الحق، فقال له أبوه: يا بني لا تعجل، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فَيَدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة (2) .
(1) هذا ما يتبناه حزب التحرير الإسلامي.
(2) الموافقات في أصول الشريعة، أبو إسحاق الشاطبي إبراهيم بن موسى ج2/ ص94، دار الفكر العربي.