فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 406

فِيهِ حَيَاةُ الْبِلَادِ، وَبهِ وَبِمَا وَضَعَ اللَّهُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ تَعَاقُبِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ يَتِمُّ رِزْقُ الْعِبَادِ وَالْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ، وَذَكَرَ مَا بَثَّ فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ مُخْتَلِفَةِ الصُّوَرِ وَالْأَجْسَادِ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْسِنَةِ وَالْأَلْوَانِ، وَذَكَرَ تَصْرِيفَ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِيهِمَا مِنْ مَنَافِعِ الْحَيَوَانَاتِ، وَمَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

ثُمَّ أَمَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِالنَّظَرِ فِيهِمَا، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنَ الْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ وَالدَّلَالَاتِ النَّيِّرَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ هَيْئَةَ هَذَا الْعَالَمِ بِبَصَرِكَ، وَاعْتَبَرْتَهَا بِفِكْرِكَ، وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَاكِنُهُ مِنْ آلَةٍ وَعَتَادٍ، فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعةٌ كَالسَّقْفِ، وَالْأَرْضُ مَبْسُوطَةٌ كَالْبِسَاطِ، وَالنُّجُومُ مَنْضُودَةٌ كَالْمَصَابِيحِ، وَالْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِرِ، وَضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأةٌ لِلمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَآرِبِ، وَصُنُوفُ الْحَيَوَانِ مُسَخَّرَةٌ لِلمَرَاكِبِ مُسْتَعْمَلةٌ فِي الْمَرَافِقِ، وَالْإِنْسَانُ كَالْمُمَلَّكِ لِلْبَيْتِ الْمُخَوَّلِ مَا فِيهِ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَدْبِيرٍ وَتَقْدِيرٍ وَنِظَامٍ، وَأَنَّ لَهُ صَانِعًا حَكِيمًا تَامَّ الْقُدْرَةِ بَالِغَ الْحِكْمَةِ، وَهَذَا فِيمَا قَرَاتُهُ مِنْ كِتَابِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَضَّهُمْ عَلَى النَّظَرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ خَلْقِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] يَعْنِي بِالْمَلَكُوتِ الْآيَاتِ، يَقُولُ: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِيهَا نَظَرَ تَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ؟ حَتَّى يَسْتَدِلُّوا بِكَونِهَا مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَالتَّغييرَاتِ عَلَى أَنَّهَا مُحْدَثَاتٌ، وَأَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ صَانِعٍ يَصْنَعُهُ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُحْدَثَاتِ، كَمَا اسْتَدَلَّ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَانْقَطَعَ عَنْهَا كُلِّهَا إِلَى رَبٍّ هُوَ خَالِقُهَا وَمُنْشِئُهَا، فَقَالَ: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]

أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت