إن كل حضارة تقوم على ثلاثة عوالم: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء، وهناك ارتباط بين هذه الثلاثة على شكل شبكة علاقات اجتماعية بحيث لا ينشأ مجتمع بدونها، وهكذا"فإن شبكة العلاقات هي العمل التاريخي الأول الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده" (1) ، وكما يبدأ مجتمع قبل أن تكون عوالمه الثلاثة - كالمجتمع الإسلامي ساعة ميلاده- فإنه قد ينتهي -أحيانًا- وهو غني بما فيه من أشخاص وأفكار وأشياء - كما حدث للمجتمع الإسلامي إبان أفوله- حيث تمزقت شبكة علاقاته الاجتماعية وهو ما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بغرض التربية لا لمجرد الخبر بقوله: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال"بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء(ما يحمله السيل من وسخ) كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن"فقال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال"حب الدنيا وكراهية الموت" (2 ) ) ". (3)
إن الإنسان وهو يتعايشن مع العوالم الثلاثة: الأشياء والأشخاص والأفكار، إذا تغلب أحدها فذلك من شأنه أن يؤثر على شخصية الفرد وسلوكه، (4) والخلل في العوالم الثلاثة وشبكة علاقاتها يشكل مصدرًا للصعوبات التي تواجه جميع المجتمعات البشرية (5) . فالعالم الإسلامي اليوم يعاني من طغيان الأشياء في جميع المجالات:
(1) مالك بن بني، ميلاد مجتمع، شبكة العلاقات الاجتماعية، ترجمة عبدالصبور شاهين. (طرابلس: دار الإنشاء، 1174) ، ص25.
(2) الأزدي، سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني، سنن أبي داود، 4 أجزاء، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، دار الفكر، دمشق، والأحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها، [ جزء 2 - صفحة 514 ] وقال عنه الألباني: صحيح.
(3) ميلاد مجتمع، ص25-26.
(4) القريشي، مرجع سابق، ص144.
(5) تأملات، ص18.