عندما بدأ العالم الإسلامي يشعر بتخلفه إثر احتكاكه بالحضارة الغربية التي انطلق منها الاستعمار، أخذ يبحث عن علاج لمرض دون أن يحدد طبيعة مرضه، وهكذا فقد توجه العالم الإسلامي إلى صيدلية الحضارة الغربية يطلب عندها الدواء، وهو بهذا التصرف إما أن يحصل على الدواء الذي يشفيه أو يحصل على دواء يميت لأنه لا يناسبه (1) ، ومنذ استيقظنا على تخلفنا، أخذنا ننهض في اتجاه حضارة منشودة، وقد نهض جمال الدين الأفغاني منذ معركة السيباى في الهند سنة 1858م يثير العالم الإسلامي للنهوض، وبعد ذلك بعشر سنوات (1868) أخذت اليابان تنهض حتى ضاهت روسيا الاستعمارية في سنة 1905 بينما نحن نسير في مكاننا، (2) لقد كانت مشكلتنا أننا نسير ببطء نحو الحضارة التي نشدها مفكرو النهضة، وأننا اتجهنا نحو تكديس عناصر مجتمع وليس بناء مجتمع كما فعلت اليابان منذ نهضتها 1868م، لذلك نجد اليابان قد وصلت قبلنا، بل قل: لم نصل بعد (3) .
إن مَثَلَيْنَا كرجلين أراد كلٌ منهما أن ينشئ عمارة، فالأول اشتري الحديد والآلات والأحجار وكل ما يلزم لإنشاء العمارة وتركها في موقع البناء، أما الثاني فقد أخذ يشتري جزءًا من مواد البناء ويبني، فما هي إلا بضعة شهور حتى أقام عمارته، بينما الأول لم يفعل شيئًا سوى أنه اشترى مواد البناء وتركها مكدسةً بلا تفعيل ولا عمل، فلن يبني عمارته. (4)
(1) المصدر نفسه، ص45-46.
(2) تأملات، ص164
(3) حديث في البناء الجديد، ص93.
(4) تأملات، ص164-165.