نعم، لقد تهاون الكثيرون في تعلُّمها، بل تعلُّم الحدّ الأدنى من رسومها وقواعدها، وآخرون لا يبالون بما يقعون فيه من أخطاء وأغلاط، ويستروحون إلى دعوى الاهتمام بالمعنى من حيث تبليغُه، فإن وصل إلى المتلقِّي كان ذلك هو الغرض الذي سيق لأجله الكلام؛ ومن ثمَّ استجازوا لأنفسهم، وغيرهم التّساهل - إلى حدّ التّفريط - بشأن اللّغة العربية من حيث التّحدُّثُ بها؛ حتّى أوصلهم ذلك إلى تبنِّي اللّهجة العامِّية كوسيلة للتّواصل؛ ثمّ سرى ذلك بين الطّلبة والأساتذة على مقاعد الدّراسة وفي مدرّجات الجامعة، وبلغ السيل الزُّبى حين استشرى هذا الدّاء إلى عقول بعض المثقّفين فانعكس جليًّا في كتاباتهم على صفحات الجرائد، وقصص الأطفال والرّوايات وغيرها ... ،هذه الرّوايات الّتي أُثقلت بها رفوف المكتبات من غير أن تعرف طريقها إلى القرّاء لأسباب عدّة من أهمّها أنّها كُتبت بلغة فَجّة، لم يستسغها كلّ مَن يَمُتُّ إلى العربية بصِلة.
فإذا كان المعنى المراد تبليغه قد وصل إلى المتلقِّي عن طريق جارحة اللّسان أو ما يخطُّه القلم من البيان والهذيان؛ لم يعبؤوا بعده كيف كان ذلك الاتّصال، أبلغة الوحيين تمّ، أم بلغة السَّفِلَة والرَّعاع حصل.
إنّهم يعتبرون العربية وسيلة كسائر وسائل الخطاب، ويُسوُّون بينها وبين سائر لهجات النّاس التي وُلدت وترعرعت في الأزقّة والطّرقات!،وهم لما يترتّب عن هذا المذهب في دَرْك ما يُحدق بهم وبهُوِيَّتهم وثقافتم ودينهم من أخطار وويلات في غفلة ساهون!.
فمن هذه الويلات، وتلك الأخطار أنّنا جميعا أصبحنا نرى ونسمع بخطباء [1] على أعواد المنابر نصبوا أنفسهم لوعظ النّاس وإرشادهم قد درجوا على اللّحن، حتّى ألفت الأسماع أغلاطهم، وزلاّت ألسنتهم، واستفحل الأمر، وعظم الخطب حين أضحى الغلط ديدنهم، والخطأ شِعارهم الّذي يُعرفون به، وهم مع ذلك لا تكاد ترى الواحد منهم يسعى لإصلاح ما انخرق من لسانه كما يسعى لرتق لباسه، وطلب معاشه؟!.
فحريٌّ بك - أيُّها اللّبيب - أن تعرف للعربيّة خطرها [2] لتقف بعدُ على شرفها وعظيم قدرها؛ وهذا باعتبار تعلُّقها بأشرف موجود وهو شريعة ربّ العالمين، الّتي نزل بها الأمين جبريل - عليه السّلام - على سيّد الخلق - صلى الله عليه وسلم - بلسان عربيّ مبين؛ فالجهل بهذا اللّسان ذريعة للجهل بهذه الشّريعة، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.
أقول: ليت الأمر انحصر في عامّة النّاس وأشباههم من أنصاف المثقّفين، إذًا لهان الأمر، ولكنّه تعدّى شرّه، وتطاير شرره ليصيب المثقّفين وطلبة العلم، بل وبعض الخاصّة من أعلام العصر، ومن يُشار إليهم بالبنان. ولا عجب في ذلك فقد حصل هذا من قديم، ولدرإ شرّه صنّف له الحريري القاسم بن عليّ كتابه (دُرَّة الغوّاص في أوهام الخواص) .
(1) - إلاّ القليل منهم.
(2) - أي: منزلتها. وذا من معاني (الخطر) في اللّغة.