فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 90

قال ابن جِنِّي في الخصائص (2/ 9) : (واستمرَّ فساد هذا الشّأن مشهورا ظاهرا، فينبغي أن يُستوحَشَ من الأخذ عن كل أحد إلاّ أن تقوى لغتُه وتَشِيع فصاحتُه. وقد قال الفّراء في بعض كلامه: إلاّ أن تسمع شيئا من بدويّ فصيح فتقولُه) .

وفي صبح الأعشى قال القلقشندي (1/ 208) : (قال أحمد بن يحيى: كان هذا مقدار أهل العلم، وبحسبه كانت الرّغبة في طلبه، والحذر من الزّلل، قال صاحب الرّيحان والرّيعان: فكيف لو أبصر بعض كتّاب زماننا هذا. قلت: قد قال ذلك في زمانه هو، وفي النّاس بعض الرَّمَق، والعلم ظاهر، وأهله مكرمون، وإلاّ فلو عمّر إلى زماننا نحن لقال:"تلك أمّة قد خلت") .

قلت: فكيف لو امتدّت أنفاسه، وانفتحت عيناه عن زماننا، إذا لما قال:"تلك أمّة قد خلت".

(واعلم أنّ اللَّحْن قد فشا في النّاس، والألسنة قد تغيّرت حتّى صار التّكلُّم بالإعراب عَيْبًا، والنُّطق بالكلام الفصيح عِيًّا) [1] .

حقًّا، إنّها آفة العصر، فُشُوّ اللّحن، وتمادى الأمر من غير نكير حين ظهر من المذاهب الأدبيّة الحديثة الّتي تدعو إلى التّحرُّر من قيود اللّغة - زعموا -،ليتركَ اللّسانُ يجري على سجيّته في التّعبير عمّا يختلج في النّفس، ويضمره القلب من المعاني، فالعبرة عندهم بالغاية الّتي لأجلها كان الكلام، وهي إيصال المعنى إلى المخاطَب، ولا عبرة بعد ذلك بالوسيلة إلاّ إذا كانت مؤدّيّة إلى الغاية الّتي لأجلها سيق الخطاب، والكتاب.

(قلت: والّذي يقتضيه حال الزّمان، والجري على منهاج النّاس أن يُحافَظَ على الإعراب في القرآن الكريم، والأحاديث النّبويّة، وفي الشّعر، والكلام المسجوع، وما يُدَوَّن من الكلام، ويُكتَبُ من المراسلات ونحوها، ويُغتَفَرُ اللّحنُ في الكلام الشّائع بين النّاس، الدّائر على ألسنتهم ممّا يَتداولونَهُ بينهم، ويَتحاورون به في مخاطَباتِهم، وعلى ذلك جرت سنّة النّاس في الكلام مذ فسدتِ الألسنة، وتغيّرت اللُّغة) [2] .

ولا بأس بتذكير مَن غفل عن معرفة ما يُعتبر من لغة العرب؛ كيما نحفظ للعربيّة رونقها، وندفع عنها كلّ ما من شأنه أن يُشوِّه جمالها، ويسلب عنها أصالتها. فيقال: إنّ اللّغة العربية لا تعتبر إلاّ ب:

1 -الرّواية عن فصحاء العرب في زمن الاعتبار، أعني: قبل فُشُوِّ اللّحن، ففي البوادي كان ذلك في آخر المئة الرّابعة (نهاية القرن الرّابع من الهجرة) ،وفي الحواضر كان في آخر المئة الثانية (نهاية القرن الثاني من الهجرة) .

2 -بالنّقل عن العلماء العدول من حفظة اللّغة، وروّاة الأشعار.

(1) - صبح الأعشى (1/ 210 - 211) .

(2) - صبح الأعشى (1/ 211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت