وعليه فاللّغة الفصيحة يعتبر فيها صحّة الوَضْع، أو القياس على النّظائر ممّا ثبت بالوَضْع عن فصحاء العرب، وعدول نقلة اللّغة. وقد قيل قديما: إذا رويت فالصِّحَّة، وإذا نقلت فالأمانة، قال الشّاعر [1] :
ونُصّّ الحديث إلى أهله * فإنّ الأمانة في نصِّه
إنّني - وكلّ غيور - أبغي للغتنا العربية أن تستعيد مكانتها في أمّتنا أوّلا، وبين سائر أمم الأرض ثانيا؛ لتتربّع على عرش الشّموخ والعِزّة، كما كانت في سالف الزّمان، وغابر الأيّام، فلا تدور دواليب العلوم إلاّ بمفرداتها، ولا يجري على النّاس جميعا إلاّ ضادها.
وأبغي لها النّقاء والصّفاء والجلاء لأنّها - للّه درُّها - مرآة الوحي المقدّس، إذ لا سبيل إليه إلاّ من خلالها؛ فهي بوّابة الشّريعة، فمن رام الدخول من غيرها من لغات الأرض ضلّ سبيله، وأخطأ عن قصد طريقه. قال في صبح الأعشى 1/ 205): (قال صاحب الرّيحان والرّيعان: ولم يزل الخلفاء الرّاشدون بعد النّبيّ [- صلى الله عليه وسلم -] يحثّون على تعلُّم العربيّة وحفظها والرِّعاية لمعانيها؛ إذ هي من الدّين بالمكان المعلوم، والمحلِّ المخصوص) .
وأبغي (أن نطهِّر لغتنا العربيّة، لغة القرآن الكريم، والحديث الشّريف، ولسان السّلف الصّالح، من نجس الأخطاء، لا أقول اللّغويّة - فاللّغة منها براء، ولا يجب أن ننسب هذه الأخطاء إليها؛ وإنّما يجب أن تُنسَبَ إلى هؤلاء الجاهلين، فنقول: أخطاء الجاهلين أو جاهلي اللّغة ... ) [2] .
ومن شواهد هذه الأخطاء، وأمثلة تلك الأغلاط ما انطوتْ عليه صحائف أهل العلم، ودفاتر أرباب اللّغة والأدب من أخبار وقصص تشهد بمجموعها على أصحابها بالجهل بأبسط قواعد هذه اللّغة الشّريفة؛ ممّا صيّرهم على تعاقب الأجيال، واختلاف الحَدَثان سمر المجّان وضحكة النّدماء والخِلاّن.
فإليك -أيُّها الحَصيف - أسوق بعض هذه الأخبار؛ علّك تُجمُّ بها نفسك، وتتعلّم منها درسك؛ فاللّبيب من اتّعظ بغيره، كما الشّقيُّ مَن كان عبرة لغيره.
ففي القرآن الكريم:
* (قدِم أعرابيّ [3] في زمان عمر فقال: مَن يُقرئني ممّا أنزل الله على محمّد [4] .قال: فأقرأه رجلٌ براءة، فقال"أَنَّ اللَهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ"بالجرِّ، فقال الأعرابيّ: أَوَقَدْ بَريءَ اللهُ من رسولِه؟!.إنْ يكنِ اللهُ بَرِيءَ مِن رسولِه فأنا أبرأُ منه. فبلغَ عمرَ مقالةُ الأعرابيّ؛ فدعاه فقال: يا أعرابيّ أتبرأُ من رسول الله(صلّى الله عليه وسلم) ؟.قال: يا
(1) - في (ديوان: زهير بن أبي سُلمى وطرفة بن العبد ص64 حرف الصّاد) قال طرفة:
ونُصَّ الحديث إلى أهله * فإنّ الوثيقةَ في نَصِّهِ
(2) - عن تطهير اللّغة (ص5 المقدّمة) .
(3) - تاريخ دمشق (25/ 191 - 192) ،وصبح الأعشى (1/ 206) ،وفي الخصائص (2/ 8) عن عليّ - رضي الله عنهم -.
(4) - صلى الله عليه وسلم -.