والعطش والحر والبرد بأضدادها بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات معطلها إن تركها لمسبباتها قدرًا وشرعًا وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن أقوى في التوكل فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا) (1) ·
قلت: ومما سبق يتبين أن التداوي أمر شرعي وينبني على هذا الأمر وجوب بيع الدواء وتطويره، والبحث عن مصادره واستجلاء منافعه والحرص على سلامته لما فيه من نفع لخلق الله ودفع الضر عنهم وفي كل ذلك أجر عظيم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله) (2) · وقوله: (من وسع على مكروب كربة في الدنيا وسع الله عليه كربة في الآخرة) (3) · ولكن هذا البيع مقيد بشرطين:
الأول: كون الدواء مباحًا ·
الأصل الشرعي: حل البيع لقول الله تعالى: وأحل الله البيع (4) · وينبني على هذا أن كل دواء مباح يجوز بيعه، كما ينبني عليه تحريم كل شيء محرم في ذاته ولو سمي دواء لأن العبرة ليست في تسميته بل في طبيعته وتركيبه وآثاره فلو وصف للمريض نوع من المخدرات أو من النجاسات على أنه دواء فلا يجوز تعاطيه لفساد طبيعته عملًا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تداووا ولا تداووا بحرام) (5) · وقوله: (إن الله إذا حرم على قوم شيئًا حرم عليهم ثمنه) (1) · وقوله عن الخمر بأنها: (الداء وليست الدواء) (2) ·
وتدرك إباحة أو حرمة الدواء من تركيبه وما يغلب فيه من مركباته فلو خلط به شيء من المحرمات أو النجاسات فالعبرة لما غلب فيه، على أن من المهم الأخذ في الاعتبار مقتضيات الضرورات الشرعية وما تتطلبه أحوال المريض عملًا بقول الله تعالى: فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (3) · وما قرره الفقهاء من أن الضرورات تبيح المحظورات وما يجب من المحافظة على النفس والعقل· ولا ينحصر التحريم فيما هو محرم في ذاته كالمخدرات بل يتعدى إلى كل دواء يقضي ولي الأمر بمنعه إما لثبوت مخاطره، أو الشك فيه أو لعدم ثبوت فعاليته كما لو كان في طور التجارب ·