الصفحة 149 من 513

إن العقل البشري نعمة عظمى من الله جل وعلا وله قدرات هائلة ، هي أكثر

مما يظن . ويمكن القول: إنه أشبه بعملاق نائم ! وقد دلّت الدراسات النفسية

والتربوية ، وأبحاث الكيمياء والفيزياء والرياضيات أن ما تم استخدامه من إمكانات

العقل لا يزيد على 1% من إمكاناته الحقيقية . الحاسب الآلي (كراي) حاسوب

عملاق يزن سبعة أطنان ، فإذا عمل بطاقة 400 مليون معادلة في الثانية مدة مئة

عام ، فإنه لن ينجز سوى ما يمكن للدماغ البشري أن ينجزه في دقيقة واحدة

? فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ ? [المؤمنون: 14] .

يمكن القول: إن لـ (العقل) شكلًا ومضمونًا ؛ فشكله تلك القدرات والإمكانات

التي زوّد الله تعالى بها أدمغتنا ، مثل القدرة على خزن المعلومات واسترجاعها ،

ومثل القدرة على التخيل والتحليل والتركيب ... وهذه متفاوتة بين الأشخاص

متساوية على نطاق الأمم .

ومضمون العقل منه ما يعود إلى مجموعة المبادئ الفطرية العالمية التي لا

تختلف بين شخص وآخر ، مثل إدراك عدم إمكانية اجتماع الضدين ، وإدراك أن

الكل أكبر من الجزء ، وإدراك استحالة القيام بعمل خارج دائرتي الزمان والمكان .

ومنه ما يعود إلى شيء مكتسب مرتبط بالثقافة السائدة ، وهذا في الحقيقة

يتشكل من مجموعة المفاهيم المترابطة والراسخة التي يحاول الناس من خلالها

استيعاب الواقع الموضوعي وتنظيمه وتكييفه مع حاجاتهم ... وهذا النوع من

المضمون مطلّ بالضرورة على مبادئ التفكير الفطرية ومرتبط بها .

العقل من خلال شكله ومضمونه ينتج شيئًا نسميه: (العقلانية) . وبما أن

(الثقافة) تختلف في مبادئها وقيمها وجمالياتها ورمزياتها بين أمة وأخرى ، فإن

المتوقع من العقلانية أن تتسم بطابع النسبية ، بسبب الدور البالغ للثقافة في تكوينها . ولذا فليس ثمة عقلانية صافية أو محايدة أو مطلقة . ولعلنا نستشف هذا من النسق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت