الصفحة 150 من 513

القرآني ؛ فهو إذا جمع بين الحكمة والتي هي مركّب من الذكاء والمعرفة والإرادة

والكتاب في موطن واحد ، يقدّم الكتاب أولًا ، وكأنه يرمي إلى ضرورة تأطير

(الحكمة) بالكتاب (الوحي) حتى تكتسب نوعًا من المرجعية ، وحتى تتخلص من

النسبية التي تضفيها عليها الثقافة .

إن بُنانا الفكرية ليست معصومة من رياح التغيير العاتية ؛ فهي باعتبارٍ مّا

انعكاس لما يجدّ من نظريات وآراء علمية واجتهادية مبثوثة في جميع مجالات الحياة ؛ ولذا فإن علينا أن نمتلك أعلى درجة من اليقظة والحذر حتى نصون عقولنا من

البرمجات الثقافية والبيئية التي تحول دون استيعاب الواقع على النحو الصحيح ،

ودون التطوير البعيد المدى الذي نحتاجه .

شروط للتجديد:

إن التجديد في أي جانب من جوانب الحياة ، يتضمن دائمًا نوعًا من التخلي

عن بعض المألوفات ، كما يرتب تكاليف جديدة ، ويتطلب ضبطًا أكثر للذات ،

ولهذا كله كان شاقًا على النفس .

إن أول شرط من شروط التجديد: هو معرفة (الثوابت) على نحو جيد ،

والتفريق بينها وبين (المتغيرات) وتتجلى الثوابت في الغاية الكبرى للوجود الإنساني ، وفي المبادئ والقيم العليا التي نؤمن بها ، إلى جانب الأحكام القطعية الواقعة

خارج نطاق الاجتهاد . إن التجديد المستمر كبير التكلفة ، ومفتاح معايشته هو أن

يكون في داخل المرء (جوهر) يستعصي على التغيير ، ويمثل الفلك الذي تدور فيه

جميع المتغيرات ، وتخدمه .

والشرط الثاني: هو امتلاك ما يكفي من الخيال والوعي للإحساس بالنهاية

التي نرنو إليها .

والشرط الثالث للتجديد: أن يوقن المرء أن في إمكانه أن يغير عاداته الفكرية

والنفسية والسلوكية ، وذلك يتوقف على القدرة على مجاهدة الأهواء والأوهام

والكسل الذهني ، والإخلاد إلى المألوفات .

إن التجديد للبعد العقلي يتم بالتخلص من طرق التفكير الخاطئة ، وباكتشاف

الإمكانات ، والآفاق التي تزيد في كفاءة تصوراتنا ، وتحسّن مستوى محاكمتنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت