الصفحة 159 من 513

-تتجلى المبالغة في بعض الأحيان في صورة قراءة لما في عقول الآخرين ؛

حيث يعتقد بعض الناس أنه يملك شفافية خاصة لمعرفة ما يدور في أذهان العباد ،

وما تنطوي عليه سرائرهم ، فإذا توجهت إليه شركة بسؤال ظنّ أنها سألته ؛ لأنها لم

تعثر على شخص آخر بإمكانه أن يجيب عن أسئلتها . وإذا واجه مشكلة ، ولم

يتدخل فيها أحد من أصدقائه ؛ فذاك ليس لأنهم يريدون المحافظة على خصوصيته ،

وإنما بسبب إهمالهم له ، أو شماتتهم به ، وإذا نصحه شخص بنصيحة ، فذاك ليس

بقصد إصلاحه ، وإنما بقصد تحطيمه أمام نفسه ، وهكذا ...

-تترجم المبالغة في بعض الأحيان شكلًا من أشكال عدم الاتزان ؛ فترى

بعض الأشخاص يتحولون من النقيض إلى نقيضه بسرعة البرق ؛ فبسبب كلمة أو

حركة يمكن لأي شيء أن ينقلب رأسًا على عقب . ويبدو أن هذا النوع من المبالغة ، هو في الأصل ظاهرة نسوية [1] ، لكن للرجال أيضًا نصيبهم منها ، وطالما

سمعنا من يقول: إن كنت تستطيع أن تقول ذلك فهذا يعني أن علاقتنا لا تعني أي

شيء . ومن يقول: خطأ واحد يفسد الأمر كله .

-كثيرًا ما تتجلى المبالغة في ظاهرة الإسراف في المدح والذم ، وهذه

الظاهرة عالمية ، لكن يمكن أن نقول هذه المرة: إنها ظاهرة عربية في المقام الأول ؛ فنحن من أكثر أمم الأرض تماديًا في المدح خاصة وقد تجاوزت المبالغة في

المديح لدى بعض الناس مرحلة الكذب الصراح إلى مرحلة الكذب المركب والمعقد ،

والذي يحتاج إلى منهاج خاص من أجل كشفه !

وأعتقد بعد هذا وذاك أن تحسن مستوى التفكير لدينا سيظل مرتبطًا بمدى ما

يسود حياتنا من مناقشة ومصارحة ، وبمدى ما تحرزه الأمة من تقدم على الصعد

الإنسانية المختلفة .

إن تجديد البعد العقلي ، يحتمل الكثير من الكلام ، لكن الوقت المتاح لا يسمح

بأكثر مما قلناه ، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لما هو خير وأبقى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت